كل أم انتظرت كلمة ولو مكسورة، من طفلها تعرف جيدًا أن الصمت ليس هدوءًا، بل سؤالًا مؤلمًا يتكرر كل يوم: متى سيتكلم إبني؟
في عالم التوحد، لا يكون غياب النطق مجرد تأخر لغوي، بل تجربة إنسانية قاسية تمس قلب الأسرة، وتضع الأم في مواجهة يومية مع الخوف، والانتظار، والأمل الذي لا ينطفئ، واليوم وبينما تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة، يلوح سؤال جديد لم يكن مطروحًا من قبل: هل يمكن للتكنولوجيا أن تمنح هذا الطفل وسيلة للتعبير، وتمنح أمه الطمأنينة التي طال انتظارها قبل أن تأتي الكلمة المنتظرة؟
إن التوحد بطبيعته اضطراب نمائي عصبي يمتد أثره على التواصل الاجتماعي واللفظي، مما يجعل تأخر النطق أكثر من مجرد تأخر في مهارة، إنه اختلاف في طريقة الدماغ في تكوين اللغة ومعناها، وقد أكدت نتائج دراسات وبحوث تربوية أن مهارات التواصل اللفظي لدى الأطفال ذوي طيف التوحد تتفاوت بين الاستيعاب التعبيري، والتقليد الصوتي، والسياق الكلامي، وأن قياس هذه المهارات وتطويرها يتطلب أدوات دقيقة ومقاييس "نفسية – تربوية" متخصصة لفهم عمق المشكلات اللغوية لديهم.
وفي السنوات الأخيرة ظهر أفق جديد منحته تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، التي لم تعد مجرد مصطلح تقني بارد، بل أدوات حقيقية تُستخدم في التشخيص والعلاج والمراقبة الدقيقة للتوحد، فظهرت خلال العقد الحالي مراجعات منهجية لأبحاث نشرت بين 2015 و2025 تناولت استخدام تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق Machine Learning وDeep Learning في تحليل بيانات سلوك الأطفال، وخاصة المصابين باضطرابات طيف التوحد وتأخر النطق والكلام، وشملت الصوت والحركة والانتباه والبقاء البصري، وتوصلت إلى نتائج ونماذج علمية يمكن أن تصل إلى تشخيص عالي الدقة، ما يجعلها وعدًا حقيقيًا في اكتشاف أنماط صمت الطفل وتحويلها إلى دلالات تواصل وتفاعل حقيقي قابل للتنفيذ.
وهنا بدأ الحديث ولأول مرة عن دور الذكاء الاصطناعي في علاج اضطرابات طيف التوحد وتأخر النطق والكلام عند الأطفال، وهنا عندما نتكلم عن الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق، لا نتحدث عن آلة تفرض لغة جاهزة على الطفل، بل عن أنظمة تساهم في فهم أنماط التواصل غير التقليدية.
المركز الدولي للبحوث العلمية والإنسانية (International Research Library) تناول في دراسة علمية حديثة "كيف يمكن للتقنيات الذكية المعتمدة على تحليل الأصوات وفهم اللغة أن تقدم حلولًا علاجية مرنة وتفاعلية لأطفال اضطرابات طيف التوحد"، وقدمت الدراسة نماذج علمية ناجحة لا تكتفي بتدريب الطفل على النطق، بل تقوم بقياس تقدمه بدقة، وتعيد ضبط الاستراتيجيات العلاجية تلقائيًا اعتمادًا على بياناته الفردية، بما يسمح بمتابعة تطور مهارات النطق والتواصل مرحلةً بمرحلة، بعيدًا عن النماذج الموحدة التي تفترض أن جميع الأطفال يسيرون في المسار نفسه، وهذا النهج العلمي أثبت قدرة عالية على الاستجابة لاختلافات الأطفال، خصوصًا في حالات اضطراب طيف التوحد.
دراسة علمية أخرى أصدرتها كلية التربية للطفولة المبكرة، بجامعة القاهرة، تحت عنوان: "فعالية برنامج قائم على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين السلوك اللفظي لدى عينة من الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد"، أكدت أيضًا فاعلية برامج تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحسين السلوك اللفظي لدى هذه الفئة، حيث أظهرت التحليلات زيادة ملحوظة في مستوى السلوك اللفظي بعد تطبيق البرنامج، ما يشير إلى أن هذه التقنيات ليست فكرة مستقبلية فحسب، بل نتائجها بدأت تظهر في الواقع البحثي.
العديد من الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن تكرار التفاعل مع الأجهزة التكنولوجية، حين يكون محسوبًا ومنظمًا، يزيد من استجابة الطفل ويُحسن مهاراته اللغوية والإدراكية والتواصلية على المدى الطويل، وهذا لا يعني أن التكنولوجيا وحدها قادرة على علاج المشكلات المعقدة في التواصل، فالتوحد في حد ذاته اختلاف في الانتباه، والوعي الانفعالي، والقدرة على الربط بين الدلالة والعاطفة، وهي عناصر تمت دراستها في سياقات متعددة لتوضيح علاقة الذكاء الانفعالي بالتواصل اللفظي وغير اللفظي، كمؤشرات نفسية وتعليمية تشكل أساسًا لأي تدخل علاجي، تقليديًا كان أم قائمًا على الذكاء الاصطناعي.
وهنا لابد وأن ننتبه إلى أن ما يجعل الذكاء الاصطناعي مهمًا ليس أنه "ينطق بدل الطفل"، بل أنه يفتح أبواب فهم جديدة لقدراته الكامنة، فالخوارزميات تتعلم من التكرار، وتستطيع استخدام بيانات صوت الطفل، وحركاته، وأنماط استجابته لتتوقع ما قد يرغب في قوله، وليس مجرد تحليل الكلمات الواضحة فقط، كما أن أنظمة التواصل البديل والمعزز الذكية التي تعتمد على التعرف التنبؤي للكلام والإيماءات تُحول الاختيارات البصرية على الشاشة وتغيرات الصوت إلى ما يشبه اللغة المفهومة، وتجعل من التكنولوجيا وسيطًا لغويًا ذكيًا يرافق الطفل في مسار تواصله.
لكن رغم هذا التقدم، تظل مسؤولية الأخصائي البشري حاضرة بقوة، فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى أخصائيي التخاطب أو المعالجين النفسيين، بل يصبح شريكًا في العملية العلاجية؛ يحلل البيانات التي يصعب على الإنسان جمعها وحده، ويوفر رؤى مبنية على كم هائل من المعلومات، لكن التنفيذ والتقييم الإنساني يظلان في صميم الفعل العلاجي.
والخلاصة أن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي في علاج تأخر النطق عند الأطفال ذوي طيف التوحد ليس "لغة جديدة" تفرضها الآلة، بل نافذة فنية وعلمية تتيح للطفل أن يعبر عن ذاته بطرق ربما كانت مستحيلة أو بطيئة جدًا قبل دخول هذه التكنولوجيا، فتتلاقى المعارف من علوم الأعصاب، والتعلم الآلي، والتربية الخاصة، في مشهد يضعنا أمام علاج للمستقبل يبدأ اليوم في مختبرات الأبحاث ويدخل قريبًا إلى حياة الأطفال والأسر التي تنتظر صوتًا يفهمها.