«سيدة الخوص» قصة السمار العاصى ولعنة ملوحة التربة بسبب التغيرات المناخية.. أنامل نساء الدلتا تواجه حكاية صراع بين نعومة الأم وقسوة الأرض في أكل العيش.. وخارطة طريق لإنقاذ "صانعات الجمال"

الأحد، 25 يناير 2026 12:30 ص
«سيدة الخوص» قصة السمار العاصى ولعنة ملوحة التربة بسبب التغيرات المناخية.. أنامل نساء الدلتا تواجه حكاية صراع بين نعومة الأم وقسوة الأرض في أكل العيش.. وخارطة طريق لإنقاذ "صانعات الجمال" نساء الدلتا صانعات الجمال

كتبت منال العيسوى - تصوير ماهر إسكندر

في زوايا الدلتا المنسية، لم يعد التغير المناخي مجرد أرقام في مؤتمرات دولية، بل صار ملحاً أجاجاً يتسلل إلى مسام الأرض والجلد، هنا حيث "سيدات الخوص" يغزلن التاريخ بأنامل تشققت، نجد أن ارتفاع منسوب البحر لم ينحر الشواطئ فحسب، بل أغرق مصدر رزق آلاف النساء، محولاً مهنتهن التراثية إلى معركة خاسرة ضد خامات ترفض الانصياع.

 

الخوص
الخوص

 

الملوحة جعلت السمار ناشف

تحت سماء قرية تطل على نهايات فرع رشيد، تجلس "الخالة ستيتة" أمام كومة من نبات "السمار"، قديماً، كان الخوص بين يديها طوعاً كالحرير، أما اليوم فقد صار "ناشفاً وعاصياً"، إن زحف مياه المتوسط تحت تربة الدلتا فيما يعرف بـ"تداخل مياه البحر" جعل النباتات تعاني عطشاً مالحاً؛ فخرجت الألياف قصيرة وقابلة للكسر، وكأن الأرض تضن بجمالها بسبب وطأة المناخ.

 

صناعة الخوص
صناعة الخوص

 

عندما يدفع الجسد ضريبة التلوث

لم تعد الشقوق في كف "الخالة كاملة" مجرد علامات شقاء، بل هي "جروح مناخية" بامتياز. تضطر كاملة لنقع الخوص في ماء زادت ملوحته لساعات طوال، مما أتلف جلدها وأفقد الخوص لونه الزاهي ليصير شاحباً مريضاً. تقول بحسرة: "الحصيرة التي كانت تستغرق يومين، باتت تنهكني أسبوعاً"، هكذا يسرق المناخ "زمن الرزق" ويحول الإبداع اليدوي إلى عبء بدني ينهك المفاصل والأعصاب.

 

زعف النخيل
زعف النخيل

 

البلاستيك يغتال التراث

المفارقة المؤلمة أن هؤلاء النسوة هن "بطلات بيئية" ينتجن أدوات قابلة للتحلل بنسبة 100%، لكن مع "تملح" الحرف، يهجر الأبناء مهنة الأجداد نحو مصانع البلاستيك القاتل للبيئة. بموت "سيدة الخوص"، نحن لا نفقد نباتاً فحسب، بل ندفن معرفة تراثية صمدت منذ عهد الفراعنة، ليحل محلها "البلاستيك" الذي يخنق الكوكب ويفسد ذائقة الجمال.

 

سيدة الخوص والمناخ
سيدة الخوص والمناخ

 

خارطة طريق لإنقاذ "صانعات الجمال"

إن قصة "سيدة الخوص" هي تذكير بأن المناخ هو "ملح" يتسلل لبيوتنا ويفسد حرفنا،  لذا، بات لزاماً على مراكز البحوث الزراعية استنباط سلالات ألياف تتحمل الملوحة، وإطلاق مبادرات لتسويق منتجاتهن كـ"ماركات مناخية مستدامة"، مع التوسع في مشاريع حماية الشواطئ، لننقذ ما تبقى من أنامل علمتنا يوماً كيف ننام على "حصير الأرض" بسلام.

 

سيدة الخوص
سيدة الخوص



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة