لا تقاس قوة الدول في لحظات التحول الكبرى بما تمتلكه من أدوات الردع وحدها، ولا بما ترفعه من شعارات، بل بقدرتها على قراءة زمنها قراءة صحيحة، ثم اتخاذ القرار الملائم في اللحظة التي يكون فيها القرار فارقًا بين الاستمرار والتآكل.
فالتاريخ، حين يعاد النظر فيه بعد سنوات، لا يحتفي بمن علا صوته، بل ينحاز دائمًا إلى من سبق غيره فهمًا، وأحسن تقديرًا، وكان أكثر انحيازًا لفكرة الدولة بوصفها الكيان الجامع الذي لا يحتمل المساومة.
ومن هذا المدخل، فإن استدعاء ذكرى الخامس والعشرين من يناير 1952، في عيد الشرطة الرابع والسبعين، لا ينبغي أن يكون فعل احتفال بقدر ما يجب أن يكون فعل قراءة واعية لمسار مؤسسة ارتبط وجودها، منذ نشأتها الحديثة، بمفهوم السيادة ذاته. فواقعة الإسماعيلية لم تكن مجرد مواجهة مسلحة غير متكافئة، بل كانت لحظة سياسية كاشفة، اختبرت فيها حدود الدولة المصرية، وقدرتها على حماية معنى وجودها من التآكل التدريجي.
الإنذار البريطاني الذي طلب فيه من الشرطة المصرية إخلاء مبانيها وتسليم سلاحها لم يكن إجراءً أمنيًا عابرًا، بل كان محاولة محسوبة لإعادة تعريف العلاقة بين المحتل والدولة، عبر إخضاع المؤسسات الوطنية لمنطق الإخطار لا لمنطق السيادة. وفي هذا السياق، جاء قرار الرفض، الذي اتخذ بهدوء ودون خطاب تعبوي، بوصفه قرارًا مؤسسيًا كامل الأركان، أدرك أن التراجع، مهما بدا عقلانيًا في ميزان القوة، كان سيؤسس لزمن أخطر، تُدار فيه الدولة بردود الأفعال لا بالفعل المبادر.
ورغم أن المعركة انتهت عسكريًا بخسارة واضحة وسقوط شهداء، فإن معناها السياسي ظل أكبر من نتيجتها المباشرة. فقد خرجت الشرطة المصرية من تلك الواقعة وهي تحمل عبئًا جديدًا: عبء أن تكون، بحكم موقعها، أحد أعمدة الدفاع عن فكرة الدولة في لحظات الاختلال، لا مجرد جهاز إداري يضبط الإيقاع اليومي للشارع. ومنذ ذلك اليوم، دخلت المؤسسة الأمنية علاقة معقدة مع السياسة، ومع المجتمع، ومع مفهوم الزمن ذاته.
ومع تغير العقود، وتبدل طبيعة التهديدات، تغير بالضرورة شكل المواجهة. لم يعد الخطر خارجيًا واضح المعالم، ولم تعد المعركة تخاض عند بوابات المباني، بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تعقيدًا: إرهاب بلا مركز، جريمة منظمة عابرة للحدود، فوضى معلوماتية، ومحاولات ممنهجة لإرباك الوعي العام ودفع المجتمع إلى الشك في مؤسساته. وهنا، لم يعد ممكنًا إدارة الأمن بعقلية الانتظار، ولا بمنطق رد الفعل المتأخر.
في هذا السياق تحديدًا، يمكن فهم التحولات التي شهدتها السياسة الأمنية المصرية في السنوات الأخيرة بوصفها انتقالًا في عقل الدولة، لا مجرد تطوير في الأدوات. فقد بات واضحًا أن المعركة الحديثة تكسب بالسبق الزمني، وأن أخطر ما تواجهه الدول هو أن يتقدم الخطر بخطوة واحدة. ومن هنا، أعادت وزارة الداخلية تعريف مفهوم السرعة، لا باعتباره حركة ظاهرة أو استعراض قوة، بل بوصفه سرعة فهم، وسرعة تحليل، وسرعة قرار يحسم في اللحظة المناسبة قبل أن تتكثف الأزمة.
هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل كان تحولًا في دور رجل الشرطة ذاته. فلم يعد مجرد منفذ لتعليمات، بل عنصرًا فاعلًا في منظومة تقدير موقف، تراعي تعقيد المجتمع، وتميز بدقة بين الفعل المشروع ومحاولات التخريب، وبين الغضب الطبيعي وتوظيفه لهدم الدولة من الداخل. وهنا، يتجلى الانحياز للوطن لا كشعار، بل كممارسة يومية توازن بين الحسم والاحتواء، وبين تطبيق القانون وصيانة الاستقرار العام.
واللافت أن هذا المسار لم يقدم في صورة خطاب صاخب، بل ترك لنتائجه على الأرض. فالأمن، في صيغته الحديثة، لا يحتاج إلى إعلان دائم عن نفسه، بل يُقاس بقدرة المجتمع على أن يعيش حياته الطبيعية، وبقدرة الدولة على أن تمر بالأزمات دون أن تتصدع من الداخل. تلك هي علامة النضج المؤسسي، حين يعمل الجهاز الأمني في صمت، وينجز دون ضجيج، ويقدم الاستقرار بوصفه خدمة وطنية لا منّة.
من الإسماعيلية إلى اللحظة الراهنة، يظل الخيط الناظم واحدًا: أن الشرطة المصرية كانت دائمًا مطالبة بأن تكون أسرع من الخطر، لا أعلى صوتًا منه. ففي عالم تتحرك فيه التهديدات بسرعة غير مسبوقة، يصبح البطء مخاطرة وجودية، والتأخر في القرار ثمنه باهظًا، مهما بدا التردد مريحًا في لحظته.
وعلى هذا المعنى، فإن عيد الشرطة الرابع والسبعين لا يقرأ بوصفه ذكرى ماضية، بل بوصفه محطة وعي في مسار دولة قررت، في أكثر من منعطف، ألا تنتظر الخطر حتى يطرق بابها، وأن تحسم حين يكون الحسم ضرورة، وأن تنحاز للوطن حين يصبح الانحياز شرطًا للبقاء.
تلك هي الحكاية في جوهرها: دولة تعرف أن الأمن ليس نقيض الحرية، بل شرطها، وأن الشرطة ليست طرفًا في المجتمع، بل أحد أعمدته، وأن الزمن لا يرحم من يتأخر عنه.
وهكذا، لا يُخلد التاريخ المؤسسات لأنها بلا أخطاء، بل لأنها تعرف متى تصحح، ومتى تسبق، ومتى تقف في اللحظة الحاسمة حيث لا يصح إلا الوقوف.