فى لحظة صفاء نادرة، تكون جالسًا فيها راضيًا عن الدنيا، أو على الأقل غير غاضب منها، يفاجئك سؤال ثقيل سؤال له قدرة غريبة على إخراجك من حالتك، وكأن مهمته الوحيدة إفساد اللحظة التى تعيشها.
أسئلة من نوع
أخبار الشغل إيه؟
عملت إيه فى الموضوع الفلانى؟
لسه ما أخدتش قرار؟
مش شايف إنك لازم تتجوز
هنفرح بأولادك امتى
مش شايف إن الوقت عدى؟
والحقيقة أن السؤال فى حد ذاته ليس المشكلة، المشكلة أن بعض الأسئلة تُطرح بلا داعٍ، وبلا إذن، وبلا مراعاة لأن الإنسان أحيانًا يكون مرتاحًا فى المساحة التى يقف فيها، وأنه ليس كل شخص مطالبًا بتبرير حياته، ولا كل صمت يحتاج إلى تفسير، ولا كل تأجيل يعنى فشل.
هناك من يسأل بدافع الفضول، وهناك من يسأل بدافع القلق، وهناك من دون أن ينتبه يضغط على زر لا يخصه فيحول السؤال إلى عبء ويضع الآخر فى زاوية ضيقة، حيث يصبح مطالبا بالإجابة لا لأنه يريد بل لأنه حُوصر بالسؤال.
وهنا يظهر فن الهروب من الأسئلة الثقيلة فن راقٍ، لا يتضمن كذبًا، ولا وقاحة، ولا شجارًا، بل هو مجرد محاولة مهذبة لحماية السلام الداخلي. الهروب أحيانًا يكون بابتسامة، أو بإجابة عامة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا، أو بتغيير ذكى لمسار الحديث، لأن الحقيقة البسيطة هي: ليس كل سؤال يستحق إجابة، وليس كل جواب من حق أى شخص.
هناك من يكون سعيدًا فى لحظة انتظار، وهناك من اختار أن يسير على مهل، وهناك من لا يزال يفكر.. وذلك حقه الكامل. السؤال الذى يحرج، أو يضغط، أو يخرجك من المكان الذى أنت متصالح فيه مع نفسك، ليس سؤالًا بريئًا، حتى وإن غُلّف بالاهتمام. فلنتذكر دائمًا: الخصوصية ليست سرًا، والصمت ليس ضعفًا، والهروب أحيانًا حكمة.. وفى النهاية.
قد يكون الحل كله فى مثل شعبى بسيط »اسأل عن اللى يخصك، ترتاح وتريح«. فالسلام ليس فى كثرة الكلام، بل أحيانًا فى أن يلتفت كل شخص إلى شأنه، ويترك للآخرين حقهم فى الصمت.. والهروب الهادئ.