يُقلع مجلس السلام الدولى اليوم من دافوس فى سويسرا. ينص ميثاقه التأسيسى على تفعيله بمجرد توقيع ثلاث دول فقط، والعواصم المُرحّبة به أضعاف العدد المطلوب حتى الآن. وأول اختباراته العملية ستكون فى غزة، لجهة أنها كانت منشأ الفكرة؛ ولو أن الإدارة الأمريكية ترسم له أدوارا عالمية أكبر.
وعليه، بموجب الالتزامات المحددة فى خطة ترامب ذات البنود العشرين، أن يستكمل تفعيل الاتفاق الموقع فى شرم الشيخ، والوفاء بمقتضيات الانتقال من مرحلته الأولى إلى الثانية، مع تمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية من الإمساك بمهام الإدارة الانتقالية، وتسريع جهود تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية فى القطاع.
إلى وقت قريب، كان نتنياهو طرفا ملتبس الحضور فى صفقة التسوية. فمن جانب يمثل غريم الميدان لحركة حماس، بما يطلبه من شروط ويترتب عليه من التزامات، وفى الآخر تنوب عنه واشنطن فى كثير من التفاصيل، سعيا إلى تطويق مراوغاته التى لا تتوقف، ولأجل إنقاذ المقاربة التى تتوسط فيها وترعاها وتوفر لها شبكة الأمان والضمانات المطلوبة لتحقيقها عمليا على الأرض.
وبعد إعلان مكتبه أمس عن موافقته على عضوية مجلس السلام؛ صار عليه أن يستوفى الاستحقاقات المنصوص عليها فى مسوّدة الخطة، ثم قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2803، وأخيرا الميثاق التأسيسى الذى سيوقعه، وتتفرع عنه وتُستمد منه شرعية الرؤية التسووية وبقية الفعاليات الرديفة فى غزة، من المجلس التنفيذى مرورا بلجنة التكنوقراط، وإلى القوات الدولية وخطط التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
وخلال الأيام الماضية، استبق قبول دعوة الانضمام للمجلس، باستصدار قرار من الحكومة الأمنية المصغرة «الكابينت» برفض دخول اللجنة الفلسطينية المشكلة حديثا إلى القطاع. وكان على شعث وفريقه قد باشروا عملهم من القاهرة، على أن ينتقلوا إلى غزة من بوابة معبر رفح البرى؛ لكن سلطة الاحتلال قررت إبقاءه مغلقا فى اتجاه الدخول، بعدما امتنعت مصر عن التعاطى مع اقتراح تشغيله فى اتجاه الخروج.
وتذرّعت إسرائيل بالجثمان الأخير المتبقى من قائمة الرهائن، باعتباره اشتراطا متمما للمرحلة الأولى؛ رغم إطلاق الولايات المتحدة من خلال مبعوثها ستيف ويتكوف شرارة الانتقال إلى ما بعدها من بقية المراحل.
والنقطة الأخيرة بالتحديد جرى توظيفها لأغراض دعائية واحتيالية عدة. أولا بادعاء أن مجريات الإعلان تخالف سوابق البنود المتفق عليها، لا سيما ما يخص استحداث المجلس التنفيذى الذى لم تُورده الخطة الأصلية ولا طُرح فى لقاء ترامب مع نتنياهو، خلال زيارة الأخير إلى فلوريدا أواخر الشهر الماضى.
ثانيا؛ بالتصويب عبر وسائل الإعلام اليمينية الموالية لليكود وزعيمه على الإطار المعروض من قناة ويتكوف، وأنه يتحرّك فى سياق علاقاته الخاصة ومصالحه الاقتصادية فى الإقليم، وهى لا تتلاءم بالضرورة مع شواغل تل أبيب وأولوياتها. وثالثا أن الاستحداث المشار إليه يُسوّغ بالتبعية التفافها على الظاهر بالخفى، وإعادة فتح النقاش فى مسار العملية الإجرائية، وربما الملامح العامة وخطوطها العريضة، وبما يُوطّئ لها التهرب من بعض الأمور أو اصطناع بدائل عنها.
وأهم ما تنطوى عليه اللعبة؛ أنها تتيح لرئيس الحكومة أن يُمسك العصا من المنتصف بين شركاء الائتلاف والحليف الأمريكى، فلا يبدو متساهلا فى نظرهم أو متشددا فى نظر ترامب، ويُمرر ما يراه على موجة واشنطن، مع تعليق ما لا يطيب له على عاتق الوزراء المتطرفين وكُتلهم النيابية والشعبية.
نقلت الصحافة العبرية عن مسؤول أمريكى، ما يُفيد الدهشة من موقف نتنياهو وحكومته، أكان بتمثيل تركيا وقطر فى المجلس التنفيذى حسبما تأسّست أبرز الاعتراضات، أم بانتظار أن تُلاقيهم واشنطن على التفاصيل الدقيقة وتعتنى بملاحظاتهم، أو تُقرّ لهم حق «الفيتو» على الاختيارات من الأساس. وبحسب التقارير المنشورة؛ فقد نُقِل لهم صراحة أن «غزة الآن شأن أمريكى، وإن كان الرجل الأول فى إسرائيل يريد من الولايات المُتحدة التدخل؛ فستفعلها بطريقتها الخاصة والخالصة».
ويسود اعتقاد لدى المحللين وتيارات المعارضة، وربما داخل الائتلاف الحاكم أيضًا؛ بأن واشنطن لا تُمرر شيئًا من فوق رأس رئيس الوزراء العجوز، ما يعنى أن المعروض إلى الساعة يتماشى معه، أو لا اعتراض له عليه فعلا، وكل ما فى الأمر أنه يُجارى الأدمغة الحامية من شركائه السياسيين لأغراض شكلية، تتقاطع مع تعقيدات العملية السياسية فى الداخل، وليس مع تصوره عن تصفية الجبهة الجنوبية للتفرغ لغيرها شمالا، أو تمرير الوقت لحين الاستحصال على العفو عنه فى جرائم الفساد، والوصول بكامل قوّته وصفاء ثوبه الجنائى إلى محطة الانتخابات فى موعدها الاعتيادى.
ودليل عدم جديته فى موقف الصدام الذى يُلوّح به مع البيت الأبيض، أنه لم يستغرق وقتا طويلا للتفكير، قبل أن يُرحّب بالانضمام إلى مجلس السلام، الذى يُفتَرَض أن يستكمل مهمّة تقويض خياراته السابقة، ويُدفّعه غصبًا أو ارتضاء باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب على غزّة بما تستجرّه من انسحاب قوّاته لاحقا، أو تدويل الصراع فى القطاع ووضعه فى مواجهة تركيبة دولية لن يسهل التلاعب بها أو الالتفاف عليها.
وفى المقابل؛ رفضت فرنسا دعوة العضوية، وأبدى الرئيس الأوكرانى استغرابه من مجاورة غريمه فلاديمير بوتين تحت مظلة واحدة. وسواء بقيا خارج المجلس أو اضطُرّا لاحقا إلى دخوله؛ فالفكرة أن الحد الأدنى من الغضب تجاه الفكرة، أو ممارسات الإدارة الأمريكية، عبّرت عن نفسها فى موقف ابتدائى أشهر بطاقة الرفض، وهو ما لم يحدث من جهة نتنياهو؛ ولو على سبيل التلميح والمُماطلة.
والحال؛ أن مجلس السلام ليس تكوينًا مثاليا من أى وجه يُنظَر إليه، خصوصا أنه يبدو أقرب إلى منازعة الأُمم المتحدة فى أدوارها، والسعى إلى أن يحل محلها فى إدارة الشأن العالمى وقضاياه المفتوحة؛ إلا أنه الخيار الأسلم وقتيًّا على الأقل، وبحسب المُتاح من بدائل تتهدّد الملفات الساخنة بالتجميد أو الميوعة، لا سيما مع القطع بأنه ماضٍ فى طريقه، وسيكتمل ويباشر أعماله المقررة بغض النظر عن عدد العضويات، ومواقف المعترضين عليه وأوزانهم السياسية والاقتصادية.
وعلى ما فات؛ فالشراكة فيه بأى قدر مُحتَمل، أفضل بما لا يُقاس على البقاء خارجه. مع ترجيح أنه فعالية مؤقتة فى كل الأحوال، وقد تنتهى بعد ثلاث سنوات من الآن، بنهاية مدّة الرئيس ترامب؛ ما لم ينجح فى الانقلاب على الديمقراطية والنصوص الدستورية للولايات المتحدة وينتزع ولاية ثالثة.
وإن حلّ الديمقراطيون بديلاً فى انتخابات 2028 فلن يستمر؛ وحتى لو استقرّت الترامبية مع خليفة من التيّار نفسه، مثل النائب جى دى فانس أو وزير الخارجية ماركو روبيو وغيرهما؛ فلا أحد يملك وهج مُبتدع الفكرة ومزاجيته وقدرته على كسر الحدود والأعراف، وكلها إمكانات لا يدّعيها، ولا يُمكن أن ينتحلها سواه بكفاءة وإقناع، من دون أن يتعثّر، أو يُدخل عليها شيئًا من روحه التى لن يتوافر لها ما لدى الأب المؤسس من انفعالية وانفلات.
تبدو الأمور على حالها فى غزة؛ غير أنها تحرّكت بعيدًا بالفعل فى اتجاه تفكيك العُقدة القائمة وإرساء تركيب جديد، إعلان الانتقال مُجرّد تفصيل؛ لكن الأصل أن عقارب الساعة عادت إلى الدوران بتشكيل الهيئات الثلاثة: المجلسين (السلام والتنفيذى) ولجنة التكنوقراط الفلسطينية، ولا يُمكن أن تُمرّ ثلاثة أشهر كالتى انقضت منذ توقيع الاتفاق، دون تمكين الإدارة الانتقالية من العمل على الأرض، أو نشر عناصر الشرطة المحلية المدربة، وتشكيل قوّة الاستقرار الدولية وتكليفها بالمهام المقررة، ما يستتبع بالضرورة تنشيط جهود التعافى المبكر، وبدء السير ناحية ورشة التأهيل وإعادة الإعمار.
حماس أعلنت من جانبها ترحيبها بالمسار الجديد، وبدء اتخاذ إجراءات لوجستية وإدارية للوفاء بالشقّ المُترتب عليها من الترتيبات، وتيسير عمل اللجنة داخل القطاع، ولم تشترط شيئًا على وجه التحديد؛ غير أنها ألمحت إلى كونها تتوقع أداء مهنيا وفنيا مُستقلا.
وموقف الحركة يُفسح مجالا للتفاؤل؛ أقله على المستوى البيّنى فى غزّة ومع السلطة الوطنية فى رام الله. وإزاء بشائر الإجماع، ربما تتضاءل تأثيرات المناكفة والتشغيب الإسرائيليين، وما يتردد عن رفض الجيش لخطوة الانسحاب وإعادة التموضع، أو انتقاداته العلنية لمآلات خطة ترامب، وما تقول إنه انفراد بالقرار من المستوى السياسى دون شراكة أو مراجعة أمنية.
ما كان يحدث سابقًا أن غزّة ارتُهنِت طويلاً تحت ضغط التناقضات العِبرية أو لعبة توزيع الأدوار بين مكوناتها، أكان بين الساسة والجنرالات، أو على مستوى المعارضة والأغلبية، وحتى داخل الائتلاف الحاكم نفسه.
والجديد أنها تحرّرت باتفاق شرم الشيخ وما تبعه لاحقا، من معادلة الاختطاف الصيهونى بما فيها من استقطاب تمارسه إسرائيل وتحتكر قراره بكامله، وذلك إلى مجال أكثر اتّساعًا من مؤسسات دولة الاحتلال وأنفاق حماس معًا، تصير فيه الصفقة عملا دوليًّا؛ لا بتعدُّد المنخرطين فيها فحسب، إنما لأنها مُقدّمة لتفعيل آلية جديدة تخترعها واشنطن، وتريد إنجاحها وتثبيت أركانها؛ ليسهل تعميمها على غيرها من الساحات فيما بعد.
أى أن القطاع لم يعُد عُقدة اشتباك بين المُحتل والمقاوم وحدهما؛ بل تحول إلى ميدان اختبار للمنطق الأمريكى الجديد، ومجلس السلام نفسه يُفترَض أن يتولى تسوية الأزمة القائمة فى أوكرانيا، مع معاونة من مجلس تنفيذى ثانٍ يتناسب مع ساحة الصراع وطبيعتها المركبة، فضلا على غير ذلك من النزاعات القائمة فى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وما قد يُستَجَد تاليًا.
وعليه؛ فإن واشنطن لو كانت مُهتمّة بوقف الحرب لصالح إسرائيل، فقد تعاظمت الأهمية لأن إنجاز المهمة يصبُّ فى صالح سيد البيت الأبيض، ويُمكّن له تقديم النموذج العملى على الفاعلية ونجاعة أطروحاته المُتمرّدة على النظام الدولى الحالى، مع التدليل على أنها لا يُوائم ولا يتهاون، وليس فى وارد القبول بأقل من إنفاذ إرادته، وإذا لم يُفوّت للحليف العبرى الأكثر قربًا له رسميا وشخصيا؛ فيجب ألا ينتظر الآخرون أن يكون أرفق بهم أو أقل حسمًا إزاء خياراتهم المُتضادّة مع مصالحه المعروفة سلفا، ومع ثوابته، بالمُعلن منها وما لا يتوقف عن التقلّب والتغيير.
سيقبل نتنياهو بالمعروض عليه؛ ليس لأنه يوافق هواه أو يُلبّى تطلعاته كما يتصورها، ولكن لانعدام البديل عن القبول. يشرب كأس المُرّ، بديلاً عن الاضطرار إلى مضغ الصبّارة بأشواكها لاحقا. وإذا كان يسؤوه أن يُخلّى ساحة غزّة؛ فما يزال لديه رغبات مكبوتة تجاه لبنان، ومحاولات لترشيد موقف واشنطن فى سوريا، والأهم والأخطر أن يُجهِز على ما تبقّى من قدرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو ما لا سبيل له بدون إسناد الأمريكيين، أو ضوئهم الأخضر على الأقل.
ستكون السنوات الثلاث المقبلة صعبة على العالم؛ غير أنها تنطوى على فرص لا تقل فى أثرها الإيجابى عن المصاعب وسلبياتها. لا أحد يُمكنه تقويض طموحات الصهاينة اليوم أكثر من ترامب، وباستثناء بطاقة الإنجاز التى يتمنّاها من غزّة، فستكون أغلب انشغالاته مستقبلا فى ساحات أخرى. يُمكن انتشال القطاع من وهدته الحالية، ووضعه على طريق التعافى، وإعادة وصل المُنقطع بين الفلسطينيين على تنوّعهم، وتحضير البيئة الوطنية لبناء حالة الإجماع المفقودة؛ أما ما يخص التهجير والريفييرا والسيطرة الأمنية وغيرها من المخاوف؛ فلا يُمكن تمريرها حال استعادة الأوضاع الطبيعية، ولن يُختَلَف عليها مجددًا؛ إلا لو اختلفت القوى الفلسطينية فيما بينها.
الملامح العريضة تُنبئ عن سياق يُطابق الرؤية المصرية، أو يكاد. لجنة وطنية لإدارة القطاع، وقوّات دولية يُمكن الانتقال بها من خيال فرض السلام إلى واقع حفظه، بمُجرّد أن تتوافق الفصائل والمكونات المحلية على أن رفض السيئ لا يُبرر الانزلاق إلى الأسوأ. عملية إعادة الإعمار ستسير وفق الخطة المُعتمدة من القمة العربية الإسلامية، وتأهيل الحُكم فى الضفة العربية سيقود بالتبعية إلى إرخاء مظلته على غزة، وإن استمر نتنياهو فسيكون مردوعًا إلى نهاية ولاية ترامب، ولو أطاحته الانتخابات فقد تتبدّل كثير من المُعادلات القائمة حاليا، داخل تل أبيب وخارجها، وعلى امتداد الإقليم.
لا يسهُل التوقّع مع ترامب، وكل ما يُقال أقرب إلى التمنّيات، ليس بمعنى التفكير الرغائبى فحسب، ولكن لأن التحليل ينطلق من الحال إلى الاستقبال عبر الاستقراء ومدّ الخطوط على استقامتها، فيما خطوط البيت الأبيض حاليًّا متعرّجة أصلاً. والتعامل معه يتطلّب اليقظة، والاحتشاد، وتفعيل كل الإمكانات؛ ولا مانع من المُجاراة مع الترّقب وتحضير السيناريوهات الافتراضية. مجلس السلام أقرب إلى المسار الإجبارى؛ غير أن السرعات يُمكن أن تتفاوت، وقد يُتاح التوقف على الطريق للصيانة أو تعبئة الوقود. العالم يُمرّر الوقت، ولا خيار آخر للأسف، وكل الاحتمالات مطروحة ومقبوضة فى الوقت ذاته. كأننا فى صحراء شاسعة دون بوصلة أو وسيلة انتقال، والنجاة فى البقاء على قيد الحياة، والأمل أيضا، لأطول فترة مُمكنة.