فى كل مرة أتابع كلمة مصر أمام المنتديات العالمية، أكتشف أن الخطاب المصرى يصل إلى مستوى من التوازن والإيجاز يعبر عن رؤية تتسم بالشمول والوضوح واستيعاب التحولات الجارية والتقاطع معها، مع رسائل معلنة ومبطنة إلى الدول الكبرى، وانتقادات واضحة لثغرات النظام العالمى واختلالاته التى لا تمنع من التعامل مع هذا الواقع بتفاعل وقدرة على التفهم والتعامل.
وفى كلمة مصر أمام منتدى دافوس، حرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على طرح وجهة نظر مصر كاملة، سواء تجاه الأحداث والصراعات العالمية، أو القضايا الإقليمية والصراعات التى تشهدها الدول من حولنا، ووضع يده على كلمة السر فى أكثر الصراعات وهى التدخلات الخارجية، التى تخلق ميليشيات ومصالح وتنتهى إلى مزيد من الصراعات التى لا يربح منها أحد، وأكد أهمية دعم مسارات السياسة فى إبعاد التدخلات، وفتح حوار لا يستبعد أيا من مكونات المجتمع.
وبالطبع، فإن دعوة الرئيس السيسى إلى منتدى دافوس هى دعوة لمصر وتقدير لموقعها ومواقفها، وسياستها التى تتواصل مع كل دوائر صنع القرار والسياسة بالعالم، وفى وقت يشهد تقلبات سياسية واقتصادية، ورغم أن منتدى دافوس اقتصادى بالأساس، لكن السياسة غالبا ما تلقى بظلالها على أعمال المنتدى وأيضا على علاقات الدول، ثم الحروب والصراعات الممتدة إلى أوروبا، والتصعيد مع الولايات المتحدة حول جزيرة جرينلاند الدنماركية، كلها تضاعف من تأثيرات وانعكاسات السياسة على الاقتصاد.
كلمة الرئيس السيسى، أمام منتدى دافوس، تضمنت التأكيد على التمسك بالحوار والتعاون الدولى وإعلاء مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمى واحترام القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، والالتزام بتسوية النزاعات بالطرق السلمية وتجنب التصعيد وتهيئة المناخ للتوصل لحلول مستدامة لمختلف الأزمات من خلال دعم المسارات السياسية، وإتاحة الفرص لبناء الثقة، وبالطبع إبعاد التدخلات الخارجية التى تتسبب فى تعقيد الأمور.
وأكد الرئيس السيسى، أن تعزيز التكامل والاندماج بين الدول يمنح أولوية للقضاء على الفقر والجوع وتحقيق الرخاء المشترك لكل شعوب العالم، وتعزيز دور مؤسسات الأعمال الوطنية والإقليمية والدولية وتمكين القطاع الخاص من القيام بدور محورى فى جهود تحقيق التنمية الشاملة، وحرص الرئيس على تأكيد محورية القضية الفلسطينية للاستقرار الإقليمى والدولى، وضرورة بدء المرحلة الثانية لاتفاق إنهاء الحرب، تمهيدا لسلام ينتهى بحل الدولتين، خاصة أن القضية الفلسطينية لا تزال تتصدر أولويات الاهتمام فى الشرق الأوسط وتمثل جوهر الاستقرار الإقليمى، وركيزة أساسية لتحقيق السلام العادل والشامل، بعد أن جاءت «قمة شرم الشيخ للسلام»، فى 13 أكتوبر 2025، تتويجا لجهود مصر بالتنسيق مع شركائها، من أجل وقف إطلاق النار وترسيخ دعائم السلام.
وأشار الرئيس السيسى، فى كلمته، إلى أن السلام فى فلسطين على نحو عادل وشامل، يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، ويعزز فرص الأمن والتنمية فى المنطقة، ورحب الرئيس بإعلان الولايات المتحدة، بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب باعتباره خطوة محورية، مؤكدا أن مصر انطلاقا من دورها التاريخى الراسخ فى دعم القضية الفلسطينية، لن تدخر جهدا فى مواصلة الانخراط مع جميع الأطراف المعنية، سعيا إلى إيجاد حل عادل وشامل ودائم لهذه القضية، يقوم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ويكفل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها «القدس الشرقية».
وداخليا قدم الرئيس شرحا واضحا لموقف الاقتصاد المصرى، وقال إنه على الرغم من تعدد الأزمات الإقليمية والدولية، استطاعت مصر أن تواصل تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادى وتطوير البيئة التشريعية المنظمة للاستثمار، فضلا عن تقديم حوافز جاذبة للمستثمرين، ودعمت دور القطاع الخاص، باعتباره شريكا رئيسيا فى تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، وتخارجت الدولة من أنشطة اقتصادية متعددة للقطاع الخاص، وأن هذه الجهود أثمرت عن تحسن ملحوظ فى مؤشرات الأداء الاقتصادى، وارتفاع معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار الخاص، وإشادة من مؤسسات التمويل الدولية، ورفع التصنيف الائتمانى لمصر.
واستعرض أمام رجال المال والأعمال والحضور فى دافوس، الفرص الاستثمارية فى مختلف القطاعات والحوافز اللازمة، لا سيما فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، وصناعة السيارات الكهربائية، والصناعات الدوائية واللوجستية، وقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، داعيا إلى الاستفادة من هذه الإمكانات والفرص، خاصة أن مصر ليست سوقا محليا لكنها بوابة لأفريقيا والمنطقة العربية والإقليم.
دعوة مصر لـ«دافوس» تقدير لموقف ونفوذ مصرى، ومواقف وسياسة تقوم على الندية والتعاون والشراكة ودعم الدولة الوطنية والمسارات السياسية وتقليل الصراع، بجانب تجربة مصرية فى التنمية والبنية الأساسية تجعلها جاذبة للاستثمارات التى تنعكس فى فرص عمل ونمو اقتصادى، وكلمات الرئيس تحمل دائما وضوحا واستمرارية بجانب أنها رؤى تثبت الممارسة صحتها.
