في الوقت الذي تتجمد فيه أطراف البعض من أول نسمة باردة، وتبدأ رحلة البطاطين والمشروبات الساخنة، تجد أشخاصًا يسيرون في الشوارع مرتدين قمصانًا خفيفة وكأنهم يعيشون في ربيع دائم، هذا التناقض المدهش يثير سؤالًا علميًا مثيرًا: لماذا تختلف قدرة الناس على الإحساس بالبرد رغم أنهم يعيشون في نفس الظروف المناخية؟
وفقًا لتقرير نشره موقع Medical News Today، فإن المسألة لا تتعلق فقط بدرجات الحرارة المحيطة، بل بآليات معقّدة داخل الجسم نفسه تتحكم في شعورنا بالحرارة أو البرودة. فهناك مستقبلات عصبية وهرمونية عميقة داخل الجسم تترجم الإشارات الداخلية قبل أن تصل إلى الدماغ، لتحدد ما إذا كنا نشعر بالدفء أو نرتجف من البرد.
أجسامنا تمتلك "محرك حرارة داخلي"
تبدأ قصة الإحساس بالبرد من خلايا عصبية دقيقة تقع تحت الجلد، ترسل إشارات سريعة إلى المخ عند انخفاض درجة الحرارة. هذه هي "نظام الإنذار الخارجي" للجسم. لكن المفاجأة أن العلماء اكتشفوا وجود نوع آخر من المستقبلات العصبية، توجد في أعماق الجهاز العصبي، وبالتحديد بالقرب من الحبل الشوكي، وهذه لا تتأثر بالجو الخارجي، بل تستجيب لتغيرات كيميائية داخل الجسم.
هذه المستقبلات الداخلية تتابع إشارات من الهرمونات والبروتينات والمركبات الحيوية التي تحدد درجة حرارة الجسم الحقيقية. لذلك، قد يجلس شخصان في نفس المكان، أحدهما يشعر بالدفء والآخر يرتجف، رغم أن حرارة الجو واحدة تمامًا.
المنثول والبرد.. خدعة للجهاز العصبي
درس علماء الأعصاب تأثير بعض المواد على هذه المستقبلات، ووجدوا أن مركّب المنثول — المستخلص من النعناع — يمكنه خداع الدماغ فيشعر بالبرودة حتى في جو معتدل.
فعندما تتعرض هذه المستقبلات للمنثول، ترسل إشارات مشابهة لتلك الناتجة عن انخفاض الحرارة، ما يجعل الإنسان يشعر بالانتعاش وكأن نسمة باردة مرت عليه. ولهذا السبب يدخل المنثول في مستحضرات التجميل والمراهم التي تمنح إحساسًا سريعًا بالبرودة.
اختلاف الجينات
بعض الدراسات الحديثة كشفت أن العوامل الوراثية قد تحدد مدى تحملنا للبرد. هناك أشخاص يفتقدون بروتينًا عضليًا يسمى ألفا أكتينين-3، وهو بروتين مسئول عن سرعة ارتعاش العضلات عند انخفاض الحرارة. غياب هذا البروتين يجعل العضلات تنتج حرارة بشكل أبطأ، ما يمنح هؤلاء الأشخاص قدرة أكبر على مقاومة البرد دون ارتجاف مستمر.
ويرى الباحثون أن هذه الطفرة الوراثية ظهرت منذ آلاف السنين عندما هاجر الإنسان الأول إلى المناطق الباردة، فكانت ميزة تطورية للبقاء على قيد الحياة في المناخات المتجمدة.
الرياضة وسرّ الجسم الدافئ
اللياقة البدنية تلعب دورًا بارزًا في تنظيم حرارة الجسم. الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام — خصوصًا في الصباح — يتمتعون بدورة دموية أكثر كفاءة تساعد على توزيع الحرارة داخليًا، مما يجعلهم أقل شعورًا بالبرد.
بينما يعاني من ضعف الدورة الدموية أولئك الذين لا يتحركون كثيرًا، فتكون أطرافهم باردة باستمرار حتى وإن كانت حرارة أجسامهم طبيعية. ولهذا ينصح الخبراء بالتحرك أو القيام بتمارين بسيطة للحفاظ على تدفق الدم إلى اليدين والقدمين في الأجواء الباردة.
الهرمونات والمزاج.. عنصران لا يمكن تجاهلهما
التغيرات الهرمونية، خصوصًا لدى النساء أثناء سنّ اليأس أو الدورة الشهرية، يمكن أن تُحدث اضطرابًا في إحساس الجسم بالحرارة. فارتفاع أو انخفاض بعض الهرمونات يؤثر على المراكز العصبية المسؤولة عن التنظيم الحراري، مما يفسّر نوبات "الحرارة المفاجئة" أو الشعور بالبرد دون سبب.
كذلك، تلعب الحالة النفسية دورًا واضحًا — فالقلق أو الاكتئاب قد يغير من استجابة الجهاز العصبي، فيجعل بعض الأشخاص أكثر حساسية للبرد من غيرهم.
عندما يكون عدم الإحساس بالبرد علامة مرضية
في بعض الحالات، قد يشير ضعف الإحساس بالبرد إلى خلل في الأعصاب الطرفية أو مشاكل هرمونية مثل قصور الغدة الدرقية أو فقر الدم. فهذه الحالات تُضعف قدرة الجسم على إرسال إشارات دقيقة للدماغ حول درجة الحرارة، فيبدو الشخص غير متأثر بالجو المحيط.
ويحذر الأطباء من تجاهل هذه الظاهرة إذا كانت مصحوبة بتغير في الإحساس أو خدر في الأطراف، لأنها قد تكون مؤشرًا مبكرًا على اضطراب عصبي أو استقلابي.
كيف يوظف الطب هذه الحقيقة؟
يسعى العلماء اليوم إلى استخدام هذه المستقبلات العصبية في تطوير علاجات جديدة للألم المزمن. فبعض الكريمات التي تحتوي على مركّبات تشبه الكابسيسين — المكون الحار في الفلفل — تُستخدم لتقليل الإحساس بالألم عن طريق إشغال نفس المستقبلات العصبية المسؤولة عن الإحساس بالحرارة.
وإذا تمكّن الباحثون من فهم آلية عمل مستقبلات البرودة في الحبل الشوكي، فقد يفتح ذلك الباب أمام علاج إصابات الأعصاب المزمنة وتنظيم الإحساس بالألم والحرارة لدى المرضى.