خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة قصيدة لـ الشاعر على مقلد

الإثنين، 19 يناير 2026 11:38 ص
خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة قصيدة لـ الشاعر على مقلد الشاعر على مقلد

ننشر قصيدة للشاعر على مقلد بعنوان خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة

إِهْدَاء:

إِلَى الَّذِينَ غَادَرُوا الدَّارَ وَمَا غَادَرُوا القَلْب.. إِلَى كَفِّ أَبِي الَّتِي نَقَشَتْ فِيَّ مَعْنَى الثَّبَات، وَشَالِ أُمِّي الَّذِي مَازَالَ يَمْسَحُ عَنْ رُوحِي غُبَارَ التَّعَب

وُلِدْتُ هُنَاكَ..

حَيْثُ الأَمَانِيُّ بَسِيطَةٌ.. وَالأَحْلَامُ مُؤَجَّلَةْ.
حَيْثُ القُلُوبُ نَقِيَّةٌ.. وَالمَشَاعِرُ شَمْسٌ دَافِئَةْ.
تَتَرَاكَمُ خَلْفَ ظَهْرِي سِنُو العُمْرِ..
كَأَنَّ الذِّكْرَيَاتِ مُتُونٌ فِي الرُّوحِ مَحْفُورَةْ..
تَهْزِمُ الأَيَّامَ وَالنِّسْيَانَ.. وَتَبْقَى دَوْمًا.. حَاضِرَةْ!

أَتَذَكَّرُ خَرِيفَ الصَّعِيدِ.. وَقَسْوَةَ حَرِّهِ
وَرَبِيعَ أَيَّامِنَا.. وَلَيَالِي الشِّتَاءِ البَارِدَةْ.
يُشْرِقُ بِي المَاضِي.. فَأَجِدُ الرُّوحَ حَبِيسَةَ أَمْسِي..
عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ.. حَيْثُ اللَّهْوُ وَالسَّكَنُ..
وَفِي لِينِ الحُقُولِ.. حَيْثُ أَبِي يُغَالِبُ قَسْوَةَ "الفَأْسِ".. بِضَحْكَةٍ عَالِيَةْ!

جَسَدِي خَارِطَةٌ.. لِجُرُوحِ الطُّفُولَةِ البَاقِيَةْ..
نَقَشَتْ "عِيدَانُ الذُّرَةِ" فِي قَدَمِي.. حِكَايَةَ عُمْرِي..
وَأَكْمَلَ "حَصَادُ القَمْحِ".. بَقِيَّةَ الذَّاكِرَةْ.
أَتَذَكَّرُ.. هَزِيمَةَ الشِّتَاءِ أَمَامَ "حَطَبِ مَوْقِدِنَا"..
وَكَيْفَ كَانَ دُخَانُ تِبْغِ أَبِي.. يَتْرُكُ فِي الرُّوحِ رَيَاحِينَ مُعَطَّرَةْ.

حِيـنَ يَتَوَارَى ضَوْءُ القَمَرِ.. يُضَاءُ بَيْتُنَا بِحَكَايَا أُمِّي..
عَنِ الأَجْدَادِ.. وَسِيَرِ الأَيَّامِ الغَابِرَةْ.
تَحْكِي لَنَا عَنِ "الهِلَالِي سَلَامَة"..
حِينَ يَقُودُ جَيْشَ الجِيَاعِ.. الهَارِبِينَ مِنَ الصَّحَارِي المُقْفِرَةْ!
عَنِ "السُّلْطَانِ حَسَن".. يَتَوَكَّأُ عَلَى قَاضِيهِ "بِدِيرَا"..
وَعَنْ "الخَفَاجِي عَامِرٍ".. وَ"دِيَابِ ابْنِ غَانِمٍ"..
وَرِمَاحِهِ المَوْصُوفَةِ.. بِالطَّعْنَةِ البَاتِرَةْ.
تَحْكِي عَنِ "الجَازِيَةِ" حَسْنَاءِ بَنِي هِلَالٍ..
صَاحِبَةِ المَشُورَةِ.. وَالحِكْمَةِ البَالِغَةْ.
وَعَنِ "الزَّنَاتِي".. أَسَدِ الحَرْبِ جَمِيعِهَا..
يُدَافِعُ عَنْ عَرْشٍ وَشَرَفٍ..
لَهُ فِي المَيْدَانِ صَوْلَاتٌ.. وَكَلِمَاتٌ مُبْهِرَةْ.

يُطَارِدُ "الشَّاطِرُ حَسَنٌ".. "سِتَّ الحُسْنِ" فِي أَحْلَامِنَا..
حَتَّى تَصْدَحَ الدِّيَكَةُ.. بِنَغَمَاتِهَا البَاكِرَةْ.
وَتِلْكَ أُمِّي.. نَدَى الصُّبْحِ فِي شَالِهَا الأَبْيَضِ..
تُعَسِّلُ بِرِيقِهَا جُرُوحَ أَصَابِعِنَا.. الَّتِي اسْتَعْجَلَتِ الطَّعَامَ قَبْلَ أَوَانِهِ،
وَتُدَاوِي بِلَمْسَتِهَا.. أَرْوَاحَنَا المُتْعَبَةْ.
رَائِحَةُ الخُبْزِ تُطَارِدُنِي..
وَرُوحِي بَعَجِينِ أُمِّي.. وَقَهْوَتِهَا مَعْجُونَةْ..
أَعِيشُ مَا تَبَقَّى مِنَ العُمْرِ..
بِبَرَكَةِ دَعَوَاتِهَا.. الصَّادِقَةِ الطَّاهِرَةْ.


أَتَذَكَّرُ النَّخِيلَ الَّذِي يُحِيطُ بِدَارِنَا..
أَشْجَارَ "المَانْجُو" وَ"الجَوَافَةِ".. سِيَاجَ أَمْنٍ.. وَخَزِينَةَ طَعَامٍ آمِنَةْ.
حَتَّى أَشْجَارَ "السَّنْطِ" وَ"الصَّفْصَافِ" وَ"الجُمَّيْزِ"..
كَانَتْ حُرَّاسَ الدَّارِ.. فِي اللَّيَالِي المُرْعِبَةْ!
وَمَاكِينَةُ الرَّيِّ بَعِيدًا.. تَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الرُّوحِ.. أَنْغَامًا نَاعِمَةْ.
وَكَلْبُنَا البَاسِطُ ذِرَاعَيْهِ.. يُخِيفُ الذِّئَابَ وَلُصُوصَ المَاشِيَةْ..
كَأَنَّهُ "أَسَدٌ".. فِي نَوْمَتِهِ الهَادِئَةْ.
وُلِدْتُ هُنَاكَ.. حَيْثُ العِطْرُ وَاحِدْ..
حَيْثُ الأَذَانُ يُعَانِقُ أَجْرَاسَ الكَنَائِسِ.. فِي وِدَادْ
حَيْثُ المَحَبَّةُ مَنْسِكٌ.. وَالمَسَاجِدُ بِالتُّقَى.. عَامِرَةْ.
مَا غَيَّرَتْنِي المَدَائِنُ النَّاعِمَةْ.. وَلَا طَوَى السَّفَرُ اغْتِرَابَ الرُّوحِ المُتْعَبَةْ.
أَنَا الَّذِي كَشَفْتُ زَيْفَ الوُجُوهِ كُلِّهَا..
مَا زَالَ "الطِّفْلُ القَرَوِيُّ" فِي دَاخِلِي..
يَفْرَحُ بَدْرًا.. يَلْهُو مَطَرًا.. وَيَسْتَرِقُ السَّمْعَ.. حِيـنَ تَمُرُّ الطَّائِرَةْ!

 

علي مقلد
علي مقلد

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة