أصدرت دار المحروسة مؤخرًا كتابًا جديدًا للباحث والمؤرخ الدكتور محمد رفعت الإمام بعنوان "الجبل الكردي: نضالات الهوية ما قبل الإبادة – صراعات الأمراء، المشايخ، الشاهات والسلاطين (1514–1914م)"، ومن المقرر أن تشارك الدار بالكتاب ضمن إصداراتها الحديثة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026.
يقدم الكتاب قراءة تاريخية موسعة لوضعية الكرد وكردستان خلال أربعة قرون، مستندًا إلى رؤية علمية دقيقة ومتابعة تحليلية للسياقات الاجتماعية والسياسية والجغرافية التي صنعت ملامح الهوية الكردية، ويستهل المؤلف عمله بالتأكيد على أن الكرد يشكّلون أحد أعرق أعراق الشرق، غير أن قدرهم التاريخي قادهم إلى أن يكونوا "أكبر قوم بلا دولة مركزية"، نتيجة عوامل متداخلة تربط بين صعوبة الجغرافيا وتعقيد الاجتماع وتشابك الصراعات الإقليمية والدولية.
من زاجروس إلى أرارات… الجبال ملاذ الكرد وذاكرتهم التاريخية
يربط الكتاب بين الهوية الكردية والجبال بوصفها أصلًا ومرجعًا ومأوى، فالجبال، كما يوضح الإمام (في مقدمة الكتاب) لم تكن مجرد تضاريس قاسية، بل فضاء شكّل الوجدان الجمعي وقوّى روح المقاومة ووفّر ملاذًا من الطغيان والهيمنة الإمبراطورية. ومن هنا جاء توصيف الكرد بـ "أمة الجبال" و"فرسان الشرق"، بالنظر إلى تاريخهم الطويل من الصمود والتمسك بالوجود رغم غياب الدولة.
ويغوص المؤلف فى تفاصيل السجالات التاريخية التى حجبت السردية الكردية لحساب سرديات أخرى صاغتها إمبراطوريات ومصالح دولية، في ظل انقسام كردستان بين الهضاب الفارسية ومرتفعات الأناضول العثمانية بعد معركة چالديران الشهيرة عام 1514، وهي اللحظة التي يتخذها الكتاب بداية لتاريخ «حديث» تتداخل فيه الحدود والسلطات والولاءات. أما عام 1914، فيُمثل نقطة الختام مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وبداية عصر جديد تمامًا للكرد والمنطقة.
ويقدم الإمام عرضًا منهجيًا لتاريخ الإمارات الكردية وما لعبته من أدوار سياسية وعسكرية واجتماعية، قبل أن تتعرض لتفكيك ممنهج عبر صراع القوى الإقليمية وتبدّل موازين التحالفات. ويرصد الكتاب ظهور استراتيجيات السيطرة التي اتبعتها الدولتان الصفوية والعثمانية، من "فرق تسد" إلى فرض المركزية المباشرة، وما رافق ذلك من مواجهات كبرى وثورات وانتفاضات.
جعل المناضل الجبلي جزءًا أصيلًا من الهوية الكردية
ويمتد التحليل ليشمل "المسألة الشرقية" وتداعيات حرب القرم والثورات الكردية، قبل الانتقال إلى مرحلة سياسية دقيقة تزامنت مع صعود السلطان عبد الحميد الثاني وتوظيفه لفكرة «الجامعة الإسلامية»، وما أثّر ذلك على كردستان عبر ثورات جديدة أبرزها ثورة الشيخ عبيدالله النهرى النقشبندى. ويستعرض الكتاب كذلك ظهور الفيالق الحميدية ومحاولات الدولة العثمانية استيعاب الكرد عسكريًا، بالتوازي مع بزوغ بذور القومية الكردية وتكوين خطاب سياسى جديد.
ويختم الكتاب بتحليل آثار الثورتين الدستوريتين في إيران والدولة العثمانية، وما نتج عن ذلك من تصاعد الانتفاضات الكردية حتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، مرورًا ببروتوكول الأستانة 1913 الذى رسّخ الحدود الفارسية–العثمانية وترك أثره العميق على المشهد الكردي.
يأتى "الجبل الكردي" ليقدّم مرجعًا توثيقيًا شاملًا يعتمد على قراءة نقدية للسجلات التاريخية، ورؤية موضوعية فى تتبع الهوية الكردية داخل صراعات أربعة قرون.