رسالة من رئيس إلى رئيس، تُلخّص حال الطاولة التى التقى عليها العالم وافترق طوال سنتين، وكان قرارها الأخير بين عاصمتين.
كُتِب السطر الأول فى القاهرة خريف 2023، واكتملت الديباجة فى شرم الشيخ خريف 2025، ووقّعها ترامب فى واشنطن قبل أقل من 48 ساعة، لتعود إلى القاهرة مجددا بالتزامن مع استعداد لجنة غزة للإمساك بمقاليد الإدارة فى القطاع.
تحركت الأوضاع سريعا فى غضون يومين نحو ما كان يُنتظَر لها قبل ثلاثة أشهر تقريبا، وما بدا مستحيلا أو دونه تحديات جمّة حتى وقت قريب.
صار الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة واقعا؛ بغض النظر عن تفاصيله الخفية والمعلنة، أو ما يزال يتشكل منها فى الكواليس.
وتكمن الأهمية فى أن التقدم على الطريق يُحصّن ما تحقق فى الأسابيع الماضية؛ بعيدا من المصاعب والخروقات المتوقعة من جانب الاحتلال، كما يُرقّى الآمال بشأن المستقبل بعدما كان غامضا، وعُرضة للتهديد ومحاولات الاحتيال، أو الانحراف به عن المسار القويم.
نشر البيت الأبيض، فى الساعات الأولى من صباح السبت بتوقيت القاهرة، نص رسالة بعثها ترامب للرئيس السيسى، يشكره فيها على "قيادته فى التوسط بنجاح للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس"، ويُثمّن دوره الثابت فى إدارة عديد من تحديات المنطقة الأمنية والإنسانية منذ أكتوبر قبل الماضى، بما تسببت فيه من تبعات أثقلت كاهل المصريين مع غيرهم.
وفى محتواها المهم أنه يعرض تجديد الوساطة الأمريكية بشأن سد النهضة، ويُثبّت مبادئ أساسية فيما يخص مياه النيل والعلاقة بين دول الحوض، بحسب ما يتسع له المقام ويتناسب مع خطاب رسمى موجز، وليس دراسة فنية أو مسوّدة لاتفاق إطارى بأبعاد قانونية واضحة. كلتا النقطتين تحوز أهمية فى سياقها؛ لكنهما يخرجان معا من مشكاة واحدة.
واشنطن فى الحقبة الحالية ليست جمعية خيرية، وبالأحرى لم تكن كذلك فى أى وقت مضى. غير أنها الآن أكثر وضوحا ومبادرة فى التعبير عن نواياها الحقيقية، ومن دون مُحسّنات أو سواتر تخفى أكثر مما تُظهر كما كان معتادا مع كل الإدارات السابقة.
وإذ تشيد بأدوار القاهرة فى الأزمة الفلسطينية؛ فليس ذلك إلا عن مصلحة خاصة لديها فى التهدئة وخفض وتيرة التصعيد، أكان لترتيب الملفات بغية توجيه طاقتها إلى ساحات بديلة، أم لتفعيل استراتيجيتها الجديدة للأمن القومى عمليا، بما تشتمل عليه إزاء الإقليم من حديث عن الاحتواء وإعادة التموضوع وترشيد كلفة الإدارة.
وقد تُستشَفّ من بعض مقارباتها رائحة المقايضة أو المساومات السياسية؛ إنما يظل هدفها الأول أن تُبقى التوازنات تحت السقف، ودون مستوى الإرباك والانفجار.
أهم مزايا ترامب أنه لا يناور أو يستهلك الوقت. وحتى لو كان يُتقن المداراة؛ فنفسه توّاقة دوما إلى المكاشفة فى أشد صورها صخبا وفجاجة.
عبّر عن رغبته فى امتلاك جزيرة جرينلاند بعد اقتطاعها من الدنمارك، الحليف القريب ضمن منظومة الناتو، وما زال متمسكا بغايته دون اعتبار لتأثير ذلك على تماسك الجبهة الأطلسية.
داس على أعصاب بنما بالحديث عن استرداد قناتها؛ فأجبرها على ضبط علاقاتها الخارجية وتقليص اندفاعتها فى أحضان الصين. اختطف مادورو من فراشه ويدير فينزويلا بنظامها القديم دون تعديل؛ بل يُصرّح علنا بأن زعمية المعارضة لا تحظى بالاحترام هناك ولا تصلح بديلا عن الحكم القائم، ثم يستقبلها فى البيت الأبيض ويأخذ منها ميدالية نوبل على سبيل الشعور بالاستحقاق لا الترحيب بالهدية.
لا شىء يجبره على إخفاء ما يعتمل فى داخله، ولا على إظهار عكس ما يشعر به أو يسعى إليه بوعى وإرادة كاملين.
وعليه؛ فإشارة "الدور الثابت" فى رسالته للسيسى تختصر حصيلة الشهور الماضية فى جملة واحدة. كانت مصر سبّاقة لاستشراف مرامى تل أبيب من وراء العدوان الوحشى على غزة، وتصدّت بقوة ووضوح لمخططات التهجير منذ اللحظة الأولى.
وفيما ينشغل العالم وقتها بالجانب الإنسانى الذى أراد نتنياهو عامدا أن يقدمه على سواه، كانت القيادة المصرية تحتضن "قمة القاهرة للسلام" بعد نحو أسبوعين فقط من الطوفان، رسمت فيها خطا أحمر عريضا فى مواجهة مخاطر الخلخلة الديموغرافية وتصفية القضية، ووضعت حل الدولتين مبكرا على الطاولة.
وهكذا؛ ظلت على موقفها بدأب وصلابة ودبلوماسية عاقلة؛ حتى أنها تصدّت لأطروحة ترامب نفسه عن "الريفييرا الشرقية" على ساحل غزة قبل سنة تقريبا، إلى أن وصلت فى خريف العام نفسه لقمة شرم الشيخ واتفاقيتها، بالكيفية التى أرادتها وتحت سقف الثوابت التى لم تقبل فيها نقاشا من قريب أو بعيد.
فلسطين مسألة أمن قومى لمصر، فضلا على الروابط التاريخية والانحيازات المبدئية وواجب الدور النابع من المكانة والمكان. غير أنها تظل فى واقع الأمر، وبالتعريف المباشر، قضية أصحابها دون غيرهم، مهما كان إيمان الغير بها ووقوفهم على حراسة حدودها الأصيلة وأصولها الراسخة.
والطرف الذى لم يُفرّط فيما يتماس معه جزئيا؛ لا وجه لافتراض أنه قد ينزل عن حق أصيل يخصه بالكلية والأصالة، سواء فى نهر النيل أو غيره.
وإذ يتفاخر ترامب بأنه أنهى ثمانى حروب فى شهوره الأولى، ويضع بينها جبهة مصر وإثيوبيا التى لم تندلع من الأساس، يريد أن يُتمم نجاحاته المتخيلة واقعيا، لا عن محبة لنا أو كراهة لغيرنا؛ بل من منطلق تبريد الساحات الثانوية، ليتفرغ لمواجهته الأصيلة فى نصف الأرض الغربى أولا، ثم منه إلى الإندوباسيفيك وحدود آسيا التى يتثاءب التنين الأصفر على أبوابها.
لا وجه للتوهُّم بأنه تخلى أو بصدد التخلّى عن الدولة العبرية، ولا أنه يضع مصالحها فى مرتبة أدنى من شركائه أو أصدقائه العرب. فى واقع الأمر؛ لا يبدو أنه يرى تناقضا عميقا بين الطرفين أصلا: مصر تحترم اتفاقية السلام من جانبها، واتفاقه الإبراهيمى يضم أربع دول حاليا، ويسعى إلى توسيعه فى أمد غير بعيد. ولعله يَعُد أزمة غزة تفصيلا ثانويا، ولا يرى كومة الرماد المطفأة نسبيا فى لبنان. ويعرف أن التوترات الحالية على خط دمشق - تل أبيب قابلة للإدارة والاحتواء.
عقدته الأساسية مع إيران، وبإمكانه تفكيكها من دون الحاجة إلى تأجيج بيئات الأذرع الرديفة من محور الممانعة، وقد تأكد أن حماس لم تعد تشكل خطرا على الصهاينة، وحزب الله يلعق جراحه دون أمل فى شفاء قريب، بينما ترتدع ميليشيات العراق نفسيا بالرسائل الساخنة والنماذج العملية، ويبدو أن اليمن مُقبل على مرحلة لن يتوافر فيها للحوثيين هامش الحركة وخطوط الإمداد التى كانت قائمة طوال السنوات الماضية.
ما تزال تهديداته لطهران سارية المفعول؛ حتى ما الإيحاء مؤخرا بصرف النظر عن توجيه ضربة عسكرية، أو الدخول على خط استغلال القلاقل الداخلية وتوظيفها فى تقويض النظام وتفكيك شبكة فاعليته.
وغالب الظن أنه يستعير عبارة سلفه البعيد تيودور روزفلت: "احمل عصا غليظة وتكلم بلُطف"؛ رهانا على أن تتقى الجمهورية الإسلامية شر المخاطرة، بالذهاب الناعم إلى طاولة التفاوض، فإن ارتدعت تكتمل عملية التأديب وتقليم المخالب دون تكاليف باهظة، أو فليكن التصويب على الرأس فى آخر المطاف، فتتداعى الأطراف من تلقاء نفسها.
حسبة رابحة فى الحالين، ولا يريد أن يثير مزيدا من الغبار فى فضائها، ومن هنا يكتسب الانتقال فى غزة أهمية مضاعفة، بجانب الخطوة الإضافية بتجديد جولات الحوار بين الإسرائيليين والسوريين، وتصفية الملفات العالقة فى الشام بمزيج من اللين والشدة، كما فى اشتباكات حلب قبل أيام، ثم المرسوم الرئاسى أول من أمس عن وضع الأقلية الكردية وحقوقها السياسية والثقافية.
تشكّلت لجنة التكنوقراط المعنية بإدارة غزة فى المرحلة الانتقالية. كانت فكرة القاهرة من الأساس تحت مسمى "الإسناد المجتمعى"، واستعارتها خطة ترامب ذات البنود العشرين. ويعود الفضل كله فى تشكيلها إلى مصر، إذ رعت لقاءات عديدة بين الفصائل للاتفاق على الهيكل والأسماء، وذوّبت الإحن والخلافات بانفتاح وسعة صدر، وتداولت فى عشرات الاقتراحات حتى جرى الاستقرار على خمسة عشر عضوا، يتقدمهم المهندس المدنى على شعث.
استُقبل كامل الهيئة الجديدة تمهيدا لدخول القطاع، وليس عابرا أن يلتئم أول اجتماعاتهم فى القاهرة، ولا أن يصرح رئيسها بأن مرجعية عملها إلى خطة التعافى المبكر وإعادة الإعمار، التى أعدتها الإدارة المصرية واعتمدتها القمة العربية الإسلامية فى مارس الماضى، وتمتد لخمس سنوات بتكلفة 53 مليار دولار.
والرسالة الضمنية؛ أن الرؤية التى طُرحت منذ بداية الأزمة تعود للواجهة بإجماع، أو شبه إجماع إذا استثنينا إسرائيل ومحاولاتها التى لن تنقطع لإفساد التسوية، وأن السبيل الوحيد لإنجاح الاتفاق فى التزام كامل بنوده، ولا مجال للانقلاب على المحاور العريضة، أو تحريف تفاصيلها الدقيقة.
تردّد على مدى أسابيع أن ترامب سيُعلن عن الانتقال للمرحلة الثانية وتشكيل مجلس السلام قبل موسم الأعياد، وتزحزح الموعد إلى الثلاثاء الماضى بحسب تقارير صحفية أمريكية وتصريحات للوسيط غير الرسمى ورئيس مجموعة العرب الأمريكيين من أجل السلام بشارة بحبح.
وبدلا من الأمرين، خرج المبعوث ستيف ويتكوف ليعلن قرار العبور بين المرحلتين، واستغلّ زعيم الليكود ذلك ليُسوّق داخل الحكومة ولدى حلفائه فى الائتلاف اليمينى المُتطرّف أنها مجرد "خطوة رمزية" يصعب الحكم عليها؛ لأن الرئيس لم يتصدّ لها بنفسه كما كان مُتوقعا وينتظر المعنيون والمراقبون.
لكن اللجنة تجسّدت فى اليوم نفسه، وخرج سيد البيت الأبيض بعد أقل من أربع وعشرين ساعة معلنا تأييده لها، ومبشرا باكتمال تركيبة مجلس السلام. ليشهد الجمعة على إعلان أعضائه، وكذلك المجلس التنفيذى، واختيار الجنرال الأمريكى جاسبر جيفرز قائدا لقوة الاستقرار الدولية.
قالت واشنطن مبكرا إنها لن ترسل قوات على الأرض؛ لكنها اختارت واحدا من أبرز قادتها العسكريين لقيادة القوة الدولية، ما يجعلها طرفا أصيلا فى عملها ومسؤولا بصورة مباشرة عن نجاحها وسلامة المشاركين فيها.
جيفرز يقود القيادة المركزية للعمليات الخاصة، وشارك سابقا فى عمليات بالعراق وسوريا، كما كان عضوا فى لجنة "الميكانيزم" المكلفة بمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار فى جنوب لبنان.
وتلك الخبرة السابقة توفر له معرفة عميقة بالميدان، وصعوبة المهمة، وطبيعة المخاطر والتحديات المحتملة فى بيئة القطاع وما بعدها، كما تُطمئن الدول المتوجسة من الانخراط فى العملية.
وإن كان ذلك وحده لا يكفى طبعا، بالنظر إلى حال الغموض بشأن طبيعة التكليف والأدوار، وجدية الولايات المتحدة فى الضغط على إسرائيل، وإلزامها بالترتيبات التالية لتثبيت إدارة مدنية غير فصائلية، وبدء نشر القوات الدولية وتأهيل وإشراك عناصر الشرطة الفلسطينية المكلفين بالمهام التنفيذية على امتداد غزة، المحرر منه حاليا، وما يُنتظَر إخلاؤه بتراجع الاحتلال من الخط الأصفر للأحمر، ثم إلى ما وراء القطاع بالكامل.
التسلسل العملى يبدأ بوصول لجنة التكنوقراط؛ لتتولى المسؤولية فى النصف الغربى من قطاع غزة. يلى ذلك إعادة التموضع على الخطوط المحددة سلفا، مع إطلاق عملية إعادة الإعمار تحت ولاية الإدارة الانتقالية ومواكبة القوات الدولية، وليس فى وجود القوات الإسرائيلية أو تحت إشرافها.
والعملية لن تكون سهلة بالتأكيد؛ لأنها تتطلب إقناع الدول المرتابة حاليا لتُقدم على إرسال المجموعات التى ستتشكل منها نواة قوة الاستقرار، ولن يتوقف نتنياهو عن محاولاته للالتفاف على الإجراءات وجدولها الزمنى، كما لن يُقدم المانحون على تمويل ورشة البناء الطويلة والمعقدة من دون تثبيت الأوضاع الأمنية ومعرفة واقعها القريب ومآلاتها المستقبلية.
وهو ما يتطلب الالتفات سريعا عن إيجابية خطوة الانتقال وتكوين الإدارة البديلة، إلى تكثيف الضغوط لتفعيل الشق الخاص بإسرائيل من تلك الخطوات التبادلية المتزامنة، بحيث تُفسح المجال لمجلس السلام بكل هياكله المدنية والعسكرية، ولا تكون عقبة فى طريق الإدارة اليومية لأوضاع القطاع بدءا من الإغاثة والتعافى، وإلى شق طريق صالحة للذهاب إلى مستقبل تستقر فيه تركيبة النظام المؤقت؛ لتنتقل الراية للسلطة الوطنية، مع إطلاق مسار سياسى يتقاطع لاحقا مع موضوع تقرير المصير، أو على الأقل يُعيد وصل المنقطع بين غزة والضفة الغربية.
رئيس لجنة التكنوقراط، على شعث، بدا متفائلا للغاية فى تصريحاته الأولى من القاهرة. قال إن غزة يمكن أن تعود أفضل مما كانت فى غضون سبع سنوات فقط، بينما تمتد بعض التقديرات الفنية أبعد كثيرا من ذلك، ومنها تقرير للأمم المتحدة فى 2024 رأى أن العملية قد تستمر حتى العام 2040، وربما لعقود أخرى لاحقا.
والتفاؤل مطلوب قطعا كآلية دفاعية مُولّدة للآمال وطاقة الاصطبار والصمود؛ على أن يكون واضحا للمتفائلين ما يمكن إحرازه فعلا، مما يُقال للتثبيت والتحفيز.
المسألة ليست فى قرابة 70 مليون طن من الركام فحسب، أو عشرات آلاف الوحدات المدمرة كليا وجزئيا، إنما فى أثر التخريب النفسى والاعتلالات التى تلازم أغلب الغزيين، وميراث الفتنة والانقسام وإساءة الظن بين جميع المكونات.
ومداواة تلك الرواسب المعنوية لا يُعرَف لها وقت أو تكلفة؛ لكنها لا يمكن أن تتحقق وتكتمل من دون مراجعة وطنية شاملة، وبناء أجندة فلسطينية لا تنكر المرض ولا تتعالى على هواجس المرضى، وتؤخر الأيديولوجيا أو تقمعها لصالح رابطة الأرض والمصير والتمسك بالحياة، لا وضع الموت خيارا أول، واتخاذ القرار فيه للمجموع بإرادة فرد أو تنظيم.
حديث رئيس لجنة التكنوقراط على إيجابيته يبدو مبالغا فى الرومانسية. صحيح أنه ليس من مهامه أن يشيع اليأس ويحبط المعولين على المسار الجديد؛ لكنه ينبغى ألا يعد بما ليس فى يده وحده.
نقطة قوته مع فريقه هى ذاتها نقطة الضعف، أى المهنية الفنية غير السياسية، ما يعنى أنهم يعملون خارج أفق الصراع وتشابكاته العميقة والمحتدمة من كل الأطراف.
وأخطر ما يتهدد عملها، ولا شك سيسعى إليه نتنياهو، أن يجرى تأبيد تلك الصيغة الرمادية غير المحمّلة بشواغل القضية وثوابتها، ليطول أمدها ويُكتفَى بها عن المقاومة ولو بالدبلوماسية والوسائل الناعمة، أى لا ينتهى عملها بنهاية سنتين حُدِّدتا سلفا وأُعدت الخطط والميزانية فى نطاق تكليفها الموقوت.
باختصار؛ نحن بصدد لجنة حاضر لا مستقبل، وحتى فى الموضوعات طويلة المدى مثل إعادة الإعمار؛ فالواجب أن تتعامل معها بوصفها سؤالا آنيا، تستجيب لتحدياته فى ساعتها، وتتدحرج معه فى الزمن يوما بيوم؛ على أن تكون أول المبادرين فى ختام المهلة بالتنحى وتسليم المهمة للسلطة الشرعية الوحيدة فى رام الله، تُفتَن بالإغراءات أو تشغلها الوقائع مهما تعقدت ودُفعت فى طريقها العراقيل.
كانت بواكير الرسائل تلوّح بمجلس سلام من قادة الدول، ثم خرجت الصيغة الأولى بأسماء ويتكوف وجاريد كوشنر وماركو روبيو، مع وعد بضم آخرين لاحقا. والإشارة الضمنية أن الخلافات لم تُحسَم كلها؛ لكن الحركة فى حد ذاتها إيجابية وشديدة الأهمية؛ لأنها تنتقل من مرحلة عنوانها الالتزامات الصافية على حماس والفصائل، إلى أخرى يلتزم فيها الاحتلال ببنود لم يكن يريدها، وتتزحزح الأرض وحصتها من النزاع الطويل جهة التدويل نسبيا، بما يغلّ يد نتنياهو ويضعه فى مواجهة العالم، بجزئه الحاضر ميدانيا، وبالكل الذى ينوب عنه قرار مجلس الأمن رقم 2803.
كل ما جرى ويجرى منذ سنتين نتاج الطوفان، وعامل الثقل الوحيد حاليا يعود لصمود الغزيين وثبات ظهيرهم الأول فى القاهرة، ومعها الوسيطان القطرى والتركى وبعض دول الاعتدال. تحصيل الاتفاق لا يعود الفضل فيه لحماس، وتنحيها عن الحكم يفيد القطاع أكثر من مقاومتها، وكذلك اللجنة الانتقالية مجرد رأس جسر فوق النار، ووسيلة إلى غاية، ومناط التقييم أن يُعاد الشىء إلى أصله: ماديا بالبناء الذى يطول مداه، ومعنويا بالمصالحة العاجلة والتلاقى تحت خيمة الشرعية.
ربما لا تقضى الخطة بحضور السلطة آنيا، لكنها لا تمنع الفرقاء من الاجتماع معا، ولا تصادر على الحكومة المؤقتة فى التماس الأجندة الوطنية والعمل بموجبها فى تمتين الجبهة الداخلية وإعانة المجتمع المدمر على التعافى والتعرف إلى ذاته الحقيقية ومعدنه الأصيل مجددا.
نجحت مصر فى العبور بالقطاع من أصعب مزالق الطوفان، ويتبقى أن تتساند أحجاره الباقية لتؤازر بعضها، وتُعين الحاضنة الأمينة للقضية على مواصلة جهودها لصالح فلسطين وأهلها، لا فى فراغ تغيب عنه الرؤية والقرار، أو تتنازعه الأهواء والمصالح الفردية والفصائلية.
ليس أصعب من الهزيمة إلا الاعتراف بها، وأقسى منهما معا أن يتعرّف عليها المهزوم ولا ينكرها؛ ثم بعد ذلك سيكون سهلا عليه أن يفرز الصواب من الخطأ، ويضع يده على ما يتوجب فعله، وعلى الشعارات التى تورث مزيدا من الهزائم، أو التضحيات التى تحمل شيئا من رائحة الانتصار المتاح؛ ولو كان مخلوطا بقدر من المرارة والاتضاع الاضطرارى.
واشنطن تُجارى نتنياهو ولا ترخى له الحبل تماما؛ وإلا ما نجحت مصر ورفاقها فى استخلاص الاتفاق وفتح ثغرة فى جدار النار. واللعب فى هامش ضيق بين مصالحها والتزامها تجاه إسرائيل، مع ضرورة إظهار التعارض بينهما بنعومة لا تستثير ضباع الصهيونية، ومن دون فجاجة ترد الأمريكيين عن الطريق.
التعويل على الممكن حصافة لا ضعف؛ لا سيما أنه لا بديل عنه. المهم ألا يتوقف الجميع عن الحركة والمناورة وتجميع النقاط، وأن تتكامل الأدوار كلها تحت عنوان واحد.
انتزاع غزة من قيودها الراهنة يفوق نطاق المأساة وحدود القطاع؛ لأنه يعبر عن قابلية إسرائيل للهزيمة بالسياسة، ويرد عمليا على دعاياتها عن تغيير وجه المنطقة، بتثبيت الشريط الضيق داخل فلسطين التاريخية رغما عنها، وعلى خلاف ما أرادت له.
فكأنها ليست مجرد رسالة بافتقاد العمق الاستراتيجى وعجزها عن ابتلاع محيطها العريض؛ بل تأكيد جازم لأنها محبوسة فى قفص ضيق مع ضحاياها، ولا حل لديها إلا أن تخلى سبيلهم، أو تُطبّع أمورها على الإقامة الدائمة وراء القضبان.