عصام محمد عبد القادر

ضعف البنيوية الأسرية

الأحد، 18 يناير 2026 01:57 م


الأسرة بناء عظيم، قائم على دينامية تنظيمية بديعة، يدرك كل منتسبيها الأدوار المنوطة بهم، ويعي كل فرد فيها حقوقه وواجباته، ويعمل الجميع وفق آليات تواصل تفاعلية؛ إذ تصبح لغة الحوار والنقاش البناء أداة رئيسة في صناعة واتخاذ القرار، وفي خضم رعايتها يستوعب الإنسان حدوده، ومدى مساهمته وضرورتها، الناتج عنها توازن الكيان وتماسكه؛ ومن ثم تدار الخلافات على طاولة التفاهمات، وفلسفة الاحتواء، وماهية التكافل، وهنا لا نرصد تفاقم للصراعات، أو تفكك جراء أنانية بحتة، أو هشاشة في العلاقات، أثر خلل، أو ضعف في البنيوية الأسرية.

ضعف البنيوية الأسرية تقوض العلاقة في إطارها السليم بين أفراد الكيان، وهذا ما يضعف الولاء والانتماء للوطن الصغير، وهنا نخشى أن يتسلل الخطر فيشمل الروابط الوجدانية المعززة لواحة الأمان والاستقرار والثقة؛ حيث يتنامى ضعف التواصل ويضمحل التعاطف المتبادل، وتزداد وتيرة اللامبالاة، وبناءً عليه نفقد ماهية التماسك العاطفي في صورته المنشودة؛ فتبدو الشكلية في إطار المظهر، بينما نرصد حالة من الغليان الداخلي عندما تطرح قضايا ذات اهتمام مشترك؛ إذ تتعالى الأصوات نتيجة لحدة الخلافات في الآراء، ولا يحدث ذلك إلا في مراحل مزمنة، تؤدي حتمًا إلى التصعيد بين قطبي الخلاف داخل نطاق الأسرة.


هناك من يستخدم أداة عقاب مدمرة داخل الإطار الأسري نتيجة لضعف أو هشاشة البنيوية الأسرية تتمثل في الصمت كلغة تعبر عن الاستياء من الآخر، وأعتقد أن هذا الأمر له سلبيات عديدة، قد يكون منها غلق باب التعبير، وزيادة الفجوة، وتفاقم الألم النفسي، ناهيك عن تنامي الضغوط والتوترات، التي ينجم عنها انفجار في وقت ما، كما نشاهد لجوء البعض إلى وسيلة إلقاء اللوم على الغير؛ من أجل أن يتحمل مسؤولية الخطأ، أو التقصير، أو الإخفاق، أو الفشل، دون اعتبار للأسباب المؤدية لذلك وحتى إن كان هو جزءً منها؛ ومن ثم لا إرادة تجاه البحث عن حلول تعبر عن إيجابية التعاطي مع الأحداث؛ لكن تصعيد الصراع يعد الطريق الوحيد الذي يهرول إليه البعض في خضم ضعف البنيوية المشار إليها.


ما يضير بالبنيوية الأسرية محاولات الهيمنة من طرف ما على الكيان؛ حيث قصور صناعة واتخاذ القرار على شخصه، باعتباره يمتلك الفكر الرشيد، ومن دونه لا يمتلكون من مقومات الخبرة أو الرأي ما يفيد في معالجة الأمور وتناول القضايا وحل المشكلات والتغلب على التحديات، وبالطبع تصبح كافة المقومات بيد واحدة، وبالتالي لا مكان للنقاش أو الحوار، وللأسف هناك أيضًا سلاح الإهمال الذي يوظف من أجل تحجيم الأدوار وفتح بوابة للشراكة، وأرى أن ذلك يأتي نتيجة لقلة التقدير بمساهمات الآخرين، وبناءً عليه نرصد حالة من التجاهل المتعمدة التي تفقد التوزان ليس فقط في السلطات الداخلية للأسرة، بل تكرس حالة التهميش، ومن ثم يصبح الهيكل الأسري في حالة من الوهن.


في خضم ضعف البنيوية الأسرية لا تسأل عن وجود أو اعتراف لماهية الخصوصية؛ فهناك تدخلات فجة نتيجة لمعتقد السيطرة الكلية من فرد بعينة على الجميع، وهذا لا يقوض ثقة الإنسان بنفسه فقط، بل، يؤدي إلى إخفاقه المحتوم والمبرر من وجهة نظره، عندما يواجه قضية ما بصورة منفردة؛ لذا نقول إن تآكل الخصوصية قد يؤدي في كثير من الأحيان لمعترك خلاف حاد على المستويين المادي والمعنوي، ويزيد من حالة الحصار النفسي لدى البعض، مما يشعل فتيل الغضب ويدفع البعض إلى الانفكاك عن سياج الأسرة، ويعد هذا أحد أنماط انهيار النظام الأسري.


إذا ما أردنا أن نعزز البنيوية الأسرية علينا أن نتمسك بفلسفة الأدوار القائمة على ماهية توزيع المهام بصورة منظمة، وفق مبدأ التفاهم وتلاقى الأفكار في سياج التواصل الفعال بأشكاله المختلفة؛ ومن ثم نضمن إذعان حالة من التوازن المساهمة في تعظيم قدرات الكيان؛ كي يتغلب على كل ما قد يواجه من تحديات في إطار من المرونة وقوة العلاقات وتماسكها.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة