هناك مؤشرات تؤكد صورة البنية الأسرية في إطارها المتماسك بما يدل على استقرارها وقدرتها على بلوغ الغايات الساعية إلى تحقيقها وفق خريطة زمنية مرنة؛ ومن ثم يدرك كل فرد داخل هذا الصرح القويم ما يجب أن يقوم به وما ينبغي أن يسير عليه من اتصافات تحدد صورة السلوكيات المرغوب فيها، وبناءً عليه لا يتوقف الأمر عن هذا الحد؛ حيث تقدير الاحتياجات في خضم فلسفة المتاح والمقدرة على القيام بمسؤوليات من شأنها أن تجلب دروب الأمان الأسري، ناهيك عن تقدير وامتنان لجهود مخلصة يؤديها كل منتسبي الكيان راقي التراكيب.
الأسرة صاحبة البنية القوية لا يحبط أفرادها جراء فشل في أداء مهمة أو إخفاق في الوصول لغاية أو ضعف في نتاج بعينه، أو اضطراب في السلوك جراء ممارسة خطأ؛ لكن هناك مرونة وإعادة للاتزان بشكل سريع، وهذا يؤكد فلسفة التكيف التي تزيد من مقدرة الإنسان على التعامل مع كافة الضغوط وشتى المتغيرات وكافة الصعوبات ليحقق نتائج غير مسبوقة، وبالتالي يحدث هذا أثرًا طيبًا في نفوس الجميع؛ حيث تزداد الروابط وتتضافر الجهود حيال ما قد يطرأ من تداعيات آنية أو مستقبلية، وأعتقد أن ذلك يشير بوضوح للمعدل المنشود للصحة النفسية للأسرة.
البنية الأسرية المستقرة تؤكد على تمسكها الصريح بلغة الحوار البناء في إدارة شؤونها، وهذا يتأتى عن قناعة رئيسة تتمثل في أحقية كل فرد داخل الكيان بأن يدلي برأيه، وأن يسمعه الجميع، وأن ينبع رأيه عن معرفة صحيحة، أو معايير منطقية، أو موجهات تتسم بالإيجابية بعيدًا عن عامل التحيز، وأن تحترم وجهات النظر في إطار من التقدير المتبادل، وأن تفند الأفكار وفقًا لانسجامها مع القضية المطروحة أو محل الاهتمام، وهنا نصل لمستويات من القناعة، التي تجعل الجميع يدافع عن ملامح الفكرة الرشيدة، أو ما نسميها متكاملة الأركان، كونها تساعد في الوصول للمستهدفات المعلن عنها.
أعتقد أن أجمل نتاج نتحصل عليه من البنية الأسرية المستقرة، يكمن في غرس قيم نبيلة بوجدان منتسبيها؛ حيث تترجمه سلوكيات راقية تجعل الفرد يشعر بالرضا، والتقدير، والاحترام، والثقة بالنفس، ووظيفية المعرفة، التي يتلقاها من مصادر رصينة؛ إذ يدرك ماهية البر، ويستوعب أهمية التفاهم، ويعي ضرورة التوجيه والإرشاد في تحسين الممارسات وتطوير الأداء المرتقب، ويتفاعل مع محيطه ليصبح على جاهزية لخوض غمار التحدي؛ فلا يتسرب لديه القلق، أو الخوف، أو الخشية جراء مشكلات تواجهه، أو تحديات قد تقف في طريق مسيرته؛ إنها حالة خاصة ولا غنى عنها من الإعداد والبناء لإنسان نؤهله للحياة برمتها.
لدى يقين بأن البنية الأسرية المستقرة، تنجب أفرادًا يحولون كل محنة لمنحة، في خضم ما يمتلكونه من خبرات، مقرونة بعزيمة وإرادة، استلهمت من وجدانيات، تشربت كؤوس الفضيلة، وانزرعت في صدورها شمائل، أتت من بوابة محاكاة نماذج القدوة، وهنا يتوجب أن أشير إلى أمر مهم يتمثل في فلسفة المراجعة سواءً أكانت على مستوى فردي أم جماعي؛ فالأمر نتاجه مثمر؛ حيث نستفيد دومًا من تجاربنا ونوظف ما لدينا من خبرات فيما قد نواجه من مستجدات قضايا ومشكلات حياتية، وبالطبع يزيدنا ذلك صبرًا ومرونة ومثابرة من أجل تحقيق أهداف ننشدها أو نترقبها.
بوتقة الخبرات المربية تمتلكها الأسرة، التي تحوز بنية مستقرة دون مواربة؛ فهي واحة للإعداد والتأهيل، وكونها مأمن يتم اللجوء إليه في كل وقت وحين، ومعين لا ينضب يستلهم منها الطاقة والإرادة والعزيمة، وكيان يحافظ على كل من فيه بية النمو والرقي والازدهار واشتداد العود الذي يقوي يومًا تلو الآخر؛ فيستطيع أن يكون صاحب عطاء مستدام وأداة للبناء في بلد في أشد الاحتياج لجميع أبنائه.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.