تستعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للاحتفال بـ عيد الغطاس المجيد، أحد الأعياد السيدية الكبرى، والذي يحل هذا العام يوم الاثنين 19 يناير 2026، الموافق 11 طوبة في التقويم القبطي، إحياءً لذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد القديس يوحنا المعمدان.
ويُعرف العيد باسم عيد الظهور الإلهي، إذ شهدت حادثة المعمودية ظهور الثالوث القدوس بوضوح؛ حيث تعمد الابن الكلمة المتجسد في المياه، وحل الروح القدس بهيئة حمامة، وسمع صوت الآب من السماء قائلًا: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت»، لتصبح هذه المناسبة إعلانًا إلهيًا عن بدء رسالة المسيح الخلاصية.
أصل تسمية عيد الغطاس
وسُمي العيد بـ«الغطاس» لأن السيد المسيح نال المعمودية بالتغطيس الكامل في مياه نهر الأردن، وهو ما يُعد أساس سر المعمودية في الكنيسة الأرثوذكسية، التي ترى في هذا الحدث تطهيرًا وتجديدًا وبداية حياة روحية جديدة.
برمون عيد الغطاس.. أيام استعداد وصوم خاص قبل العيد
يسبق عيد الغطاس ما يُعرف بـ برمون العيد، وهي كلمة يونانية تعني «الاستعداد»، ويُطلق هذا المصطلح فقط على برموني عيدي الميلاد والغطاس دون غيرهما من الأعياد.
وفي عام 2026، ونظرًا لأن عيد الغطاس يوافق يوم الاثنين، فإن البرمون يمتد لمدة ثلاثة أيام كاملة: الجمعة والسبت والأحد. ويتميز صوم البرمون بطقس خاص، حيث يُصام بدون انقطاع، مع الامتناع عن تناول السمك، في تعبير روحي عن التهيئة والاستعداد للدخول في فرحة العيد.
وتحرص الكنيسة خلال أيام البرمون على تكثيف الصلوات والقراءات الكتابية التي تركز على معنى التوبة والنقاء، باعتبار أن المعمودية تمثل عبورًا من حياة قديمة إلى حياة جديدة مع الله.
قداسات ليلية ولماذا تُقام في المساء؟
تشهد الكنيسة خلال عيد الغطاس إقامة القداسات الإلهية ليلًا، وهو تقليد كنسي قديم. وفي هذا السياق، أوضح الأنبا بنيامين مطران المنوفية، في تصريحات سابقة، أن الكنيسة في القرون الأولى كانت تحتفل بعيد الميلاد والغطاس في يوم واحد، ثم جرى الفصل بين العيدين لاحقًا.
وأضاف أن إقامة القداس ليلًا تعود إلى رمزية لاهوتية؛ فميلاد المسيح جاء نورًا في الظلام، أما عيد الغطاس فيُقام ليلًا أيضًا كما كان عيد الميلاد، رغم أن السيد المسيح لم يتعمد ليلًا، بينما تُقام صلاة عيد القيامة ليلًا لأن المسيح قام والظلام باق.
طقس اللقان.. قداسة الماء واستحضار المعمودية
من أبرز الطقوس المرتبطة بعيد الغطاس طقس اللقان، والذي يُقام في ليلة العيد، حيث يقوم الكاهن بتقديس المياه والصلاة عليها، تذكارًا لمعمودية السيد المسيح. ويتم رش المياه المقدسة على الشعب لنيل البركة.
ويتميز لقان عيد الغطاس بخصوصية كنسية فريدة، إذ يُعد اللقان الوحيد الذي يُقام قبل رفع بخور باكر لقداس العيد، بخلاف باقي اللقانات التي تُقام بعده. ويرجع ذلك إلى أن القديس يوحنا المعمدان، الذي عمد المسيح، يُعد «السابق» له، ولذلك يأتي طقس اللقان قبل بدء صلوات القداس.
القلقاس والقصب.. رموز إيمانية في المائدة الشعبية
لا تكتمل مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس في مصر دون القلقاس والقصب، وهما عنصران ارتبطا بالعيد في الوجدان الشعبي القبطي.
فالقلقاس، الذي يحتوي على مادة لزجة وسامة لا تزول إلا بعد الطهي في الماء، يرمز إلى المعمودية التي تُطهر الإنسان من الخطايا، ولا تتحقق إلا بالمرور عبر الماء. أما القصب، بطوله واستقامته، فيرمز إلى النمو الروحي والاستقامة في الإيمان، والدعوة إلى حياة مستقيمة تسير نحو الله.
طقوس شعبية واحتفالات تمتد لثلاثة أيام
يحظى عيد الغطاس بمكانة خاصة في التراث الشعبي المصري، حيث تتنوع العادات والاحتفالات من منطقة لأخرى. ففي بعض القرى، يُقام ما يُعرف بـ«البلانيسا»، وهو موكب احتفالي يُحمل فيه صليب مزين بالورود والأنوار، ويجوب الشوارع تعبيرًا عن الفرح بالعيد.
كما تمتد احتفالات الغطاس داخل الكنيسة لمدة ثلاثة أيام كاملة (11 – 12 – 13 طوبة)، والتي تشمل أيضًا عيد عرس قانا الجليل، وتُقام خلالها الصلوات بالطقس الفرايحي، ويُمنع فيها الصوم الانقطاعي.
قداسات الغطاس في الكنائس
وتشهد الكنائس القبطية في مختلف المحافظات قداسات واحتفالات روحية بهذه المناسبة، حيث من المقرر أن يترأس قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، مساء 18 يناير قداس عيد الغطاس المجيد بالكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، بمشاركة عدد من الآباء الأساقفة والكهنة.