أرى في ذكرى الإسراء، والمعراج أن الحدث يؤكد على ماهية التعزيز، وأن ما نمرُّ به من محن، تؤثر في طبيعتنا البشرية، ستأتي بعده منح، تثلج الصدور، عندما نصبر، وأن فضل الله – تعالى – على عبادة، لا حدود له، وأن مقدرته، تفوق التصور، وتسمو فوق خيال الإنسان، باعتباره خلق ضعيفًا؛ ومن ثم يحتاج للدعم، والتعضيد، طيلة مسيرته في الحياة؛ لذا تفوح من ليلة المعجزة قيم نبيلة، تحفزنا على أن نستعيد التوازن، ونخرج من عباءة المادية، إلى فضاء الروحانية، بما يزيد من مقدرتنا على أن نستوعب فلسفة رحلة التكريم؛ ومن ثم فإننا نعمل بصورة وظيفية على إعادة هندسة ممارستنا الحياتية نحو ماهية القوامة، المفعمة بالإيجابية.
ندرك بأن رحلة الإسراء كانت من مكة المكرمة إلى القدس الشريف، وأما المعراج كان من القدس إلى السماء؛ ففي الأولى نستلهم قيمة التحدي؛ حيث ما يعجز عنه الإنسان يحققه رب العرش العظيم؛ كي يدحض به دلالات النكران، عبر براهين، تؤكد مصداقية الحدث؛ بالإضافة إلى أمر يشكل لبّ التعايش السلمي، ويشير إلى أن رسائل السماء، تأخذ صفة العمومية، وأن هداية البشر من الرحمن الرحيم؛ لذا تكمن وحدة الرسالة في الإيمان الخالص لله رب العالمين، وأما الرحلة الثانية فإنها تعد خارج الحدود المادية للإنسان؛ كونها تصيب فقط من يمتلك وجدانا مؤمنا، وهذا ما يجعلنا نفرق بين مستويات اليقين، وثبات القلوب، دون أن نعمل على تصنيف بني البشر؛ فهذا بيد الخالق، لا منازع، ولا شريك له.
عندما ننادي عن قناعة بأن تغذية الوجدان بالقيم النبيلة، والفضيلة أمر يحقق السعادة للإنسان؛ فإن هذا يؤدي حتمًا إلى الميل نحو السلوك القويم، والهجران غير المرغوب منه، وبالطبع يترسخ في الأذهان أن المعجزات مقننة من لدن حكيم خبير؛ فقد كانت رحلتا المسجدين، والأرض، والسماء قائمة على تحدي العقول؛ حيث تضمنت الروح، والجسد في حيز من اليقظة المفعمة بالإدراك، وهنا لا تتحدث عن قوانين وضعية، ولو كانت تلاحظ في الطبيعة؛ لكن تيقن من القدرة الإلهية السامية عن تصورات المادية في كليتها؛ (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الشورى: 12.
القراءة التربوية ترى الحكمة بالغة من إرادة الله – تعالى –؛ ليرى النبي- صلى الله عليه وسلم-، آيات تلو آيات، يتيقن من تفاصيلها عظم الشأن، والقدر، وتثلج قلبه المنفطر على من رحل عن عالمه في عام، وصف بالحزن، وهنا ندرك ضرورة التثبيت، وتعزيز ماهية الصلابة النفسية لدى الإنسان؛ كي يضمد جرحه، ويتجاوز حيز المحنة، وينطلق نحو دوائر العطاء، ويقدّر ما لديه من نعم، ويثق بأن الثمرة، ونضجها، تقوم على جهود مضنية، لا تتوقف، وأن مراحل البناء، ليست بالأمر الهيّن، وأن لحظات التحدي، وما يشوبها من صعوبات، أو أزمات، لن تثنيه عن استكمال مسيرة الاستخلاف بصورها المختلفة.
الدعم النفسي عبر الرحلة المباركة، يجعلنا نتفهم ضرورة المساندة لكل من يمر بحالة من الانكسار، سواءً بفقد عزيز، أو صعوبة تحقيق مرمى، أو تعرضه لخسارة، بغض النظر عن المسببات؛ لذا فإن علينا أن نؤمن بأهمية بيئات الاحتواء؛ حيث تعزز الطمأنينة، وتعيد الثقة بالنفس، وتقوي العزيمة، والإرادة، وتزيد من الإصرار نحو بلوغ الهدف المنشود، ناهيك عن المناعة المكتسبة، جراء تفاصيل الحياة، وأحداثها الطيبة منها، وغير السارة، وهنا نقف على عتبة مهمة للغاية؛ ألا وهي أن مواجهة الأقدار يعين عليها رب العباد؛ ومن ثم نفقه فلسفة التسرية، التي تبعث في قلوبنا البهجة، وتقلل من الاضطراب، وتزيد من واحة الأمل، وتزيد النفوس انبساطًا؛ فلا يترك الألم آثارًا سلبية لدى الإنسان.
إذا ما أردنا أن نكسب أولادنا مناعة، ومرونة نفسية، فإن نموذج الحدث الرباني بين أيدينا؛ فلا بد من التسرية؛ حيث استعادة النمو بعد الصدمات، وتنمية المقدرة على تجاوز العقبات، والعزيمة من أجل غايات نبيلة، تتحقق عبر تعزيز للإيجابيات، وعبور بوابة المشاعر السلبية، والأحداث المحبطة بسلام، وهنا ندرك على أرض الواقع استلهام المنحة من المحنة؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم-، تعرض للرفض، والطرد، واصطفاه ربه -عزوجل- عند سدرة المنتهى، فعاد قويًا، يستكمل مسيرة رسالته، ويبنى دولته، عبر رحلة جديدة، تمثلت في الهجرة، وهذا يعني ألا نترك أنفسنا للسقوط في غيابات فقدان الأمل، والألم، ونستنهض الهمم؛ كي نستعيد الثقة في إطارها الإيجابي.
رأيت عبر مجريات الذكرى الملهمة أن الإنسانية إطار جامع، لا يفرق بين حضارة، وأخرى، بل، هناك ترابط، واتساق ووحدة في الهدف، بعيدًا عن التعصب، والتشرذم، والانفكاك، والمنافسة، غير القويمة؛ حيث قرأنا إمامة الأنبياء بعين، تنظر بعمق في ماهية التقدير، والاحترام والاستفادة من الخبرات، وكيف أن سلسلة التواصل، ستظل قائمة على الأرض، ما بقيت الحياة، وهنا الدعوة واضحة نحو تأصيل قيمة رئيسة، تقوم على تواضع الإنسان، وتواصله مع الآخرين، في إطار من التعاون؛ تحقيقًا لمبدأ الإعمار، وليس من قبيل فلسفة غلق الأبواب؛ جرّاء فكر أُحادي، يدعو إلى التعصب، ويكرّس للقطيعة.
المنحة الربانية رأيناها في فرض خمس صلوات نورانية، تستهدف هجرة المادية، إلى معين الروحانية؛ حيث إعادة ضبط الذات، من خلال الارتقاء، ومخاطبة، ومناشدة رب السماوات، والأرض، وهنا نقدر قيمة الوقت، بل نعمل على توظيفها في كل ما هو مجدٍ، ونافع، ونحرص على انتهاج السلوك، الذي يحدث الأثر الطيب في النفس؛ ومن ثم نحسن، ونطور، ونهذب من ممارساتنا في كل حين، وهذا يجعلنا لا نفارق في منهجية الحياة ممارسة التقويم المستدام، المانع للانحراف، صوب بوتقة النزوات، والمجدد لماهية العهد، والوعد للصلاح.
نتعلم من ذكرى الإسراء، والمعراج أن هندسة السلوك البشري، يقوم على التخطيط، والبناء، والتقويم؛ إذ ينبغي أن نتخلى عن أطر العشوائية، ونتمسك بالنظم الفاعلة في إدارة شؤون الحياة، وهنا نفقه أن الأخلاق قد أضحت ميزان استقرار الأمم، ونماء الشعوب، وأن التمسك بالقيم سبيلٌ للنجاة في الدارين، وأن التعاون، والإتقان جسر قيام الحضارات، وسر بقائها، وأن الثواب، والعقاب من الأمور، التي تحض على الالتزام بالفضائل على الدوام؛ لذا فإننا نقر بأن إيجابية النفوس تزداد في خضم ذكرى ليلة العُروج.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
--
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر