أعاد رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور الجدل بقوة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية، وسط تساؤلات متزايدة حول تأثير هذا الفيتو على مستقبل التجارة الأوروبية، واستقرار الأسواق، وأسعار الغذاء عالميًا خلال عام 2026.
استغرقت 25 عاما من المفاوضات
الاتفاقية، التي استغرقت مفاوضاتها أكثر من 25 عامًا، كانت تُعد من أكبر مشاريع الانفتاح التجاري في تاريخ الاتحاد الأوروبي، إذ تهدف إلى إنشاء واحدة من أضخم مناطق التجارة الحرة في العالم، تربط أوروبا بدول أمريكا الجنوبية الكبرى: البرازيل، الأرجنتين، أوروجواي وباراجواي. غير أن ماكرون أعلن بوضوح أن فرنسا لن توقّع الاتفاق بصيغته الحالية، معتبرًا أنه لا يضمن معاملة متبادلة عادلة، ولا يوفر حماية كافية للمنتجات الأوروبية، وعلى رأسها القطاع الزراعي الفرنسي.
احتجاجات واسعة للمزارعين داخل أوروبا
وجاء الموقف الفرنسي في ظل احتجاجات واسعة للمزارعين داخل فرنسا، الذين يحذرون من تدفق منتجات زراعية ولحوم أقل تكلفة من دول ميركوسور، ما قد يؤدي إلى ضغط شديد على الإنتاج المحلي، ويفاقم أزمة دخل المزارعين الأوروبيين.
وأشارت صحف إسبانية وفرنسية إلى أن هذا الرفض لم يكن مجرد موقف سياسي، بل انعكس أيضًا داخل البرلمان الفرنسي، حيث استُخدم الاتفاق كأداة في الصراع الداخلي، مع محاولات لحجب الثقة عن الحكومة.
من زاوية أوروبية أوسع، يرى محللون أن الفيتو الفرنسي يضرب صورة الاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة في المفاوضات التجارية الدولية. فالتراجع عن اتفاق بهذا الحجم قد يُضعف قدرة أوروبا على منافسة الصين والولايات المتحدة في الأسواق العالمية، ويقلص فرص تنويع الصادرات، ويُبقي القارة أكثر اعتمادًا على عدد محدود من الشركاء التجاريين.
جدل مباشر على الأسواق المالية الأوروبية
في الوقت نفسه، أثّر الجدل السياسي مباشرة على الأسواق المالية الأوروبية. فقد سجلت بورصات باريس وفرانكفورت ومدريد تراجعات طفيفة، وسط حالة من القلق بين المستثمرين بشأن تأجيل قرارات اقتصادية كبرى، مثل ميزانية الاتحاد الأوروبي وخطط الاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة. كما شهد اليورو بعض التقلبات أمام الدولار، في إشارة إلى حساسية الأسواق تجاه الانقسامات السياسية داخل الاتحاد.
رفض سلاسل المتاجر الأوروبية عرض سلع ميركوسور على الارفف
وعلى مستوى قطاع التجزئة، فاجأت كبرى سلاسل المتاجر الأوروبية الأسواق بإعلانها رفض بيع لحوم ميركوسور حتى في حال توقيع الاتفاق. وأكد مسؤولو متاجر فرنسية كبرى أن التزامهم بالمنتجات المحلية كامل تقريبًا، في محاولة لطمأنة المزارعين واحتواء الغضب الشعبي. ويُعد هذا الموقف ضربة إضافية للاتفاق، إذ يُقلل فعليًا من تأثيره التجاري حتى لو دخل حيز التنفيذ.
تأثير الاتفاقية على اللحوم والدواجن
اقتصاديًا، كان من شأن الاتفاق السماح بدخول نحو 99 ألف طن من لحوم الأبقار وقرابة 180 ألف طن من لحوم الدواجن سنويًا برسوم منخفضة. ورغم أن هذه الكميات تمثل نسبة محدودة من الاستهلاك الأوروبي، إلا أن تأثيرها النفسي والتنافسي كبير، خصوصًا في أسواق شديدة الحساسية للأسعار.
تأثير الاتفاقية على الزيوت
أما بالنسبة للزيوت النباتية والأعلاف، فيرتبط الاتفاق بتسهيل واردات فول الصويا، ما كان قد يساهم في خفض تكاليف الإنتاج الحيواني. ومع تعطّل الاتفاق، تستمر تكاليف الأعلاف مرتفعة، وهو ما ينعكس على أسعار اللحوم والدواجن بدلًا من أن يخففها.
يوفر الفيتو الفرنسي حماية قصيرة الأجل للمزارعين الأوروبيين، لكنه في المقابل يُبقي الأسواق العالمية في حالة ترقب، ويؤجل احتمالات انخفاض أسعار بعض السلع الغذائية، ويطرح سؤالًا أكبر: هل تدفع أوروبا ثمن حماية قطاعاتها الداخلية بتراجع نفوذها التجاري عالميً