يشارك اللواء أركان حرب دكتور أشرف البديوي في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، بأحدث كتبه الصادر مؤخرا عن دار سما للنشر والتوزيع، بعنوان "2049.. عام هيمنة التنين"، في 224 صفحة من القطع المتوسط، وثمانية فصول تستعرض رؤية شاملة لرحلة الصعود الصينية نحو القطبية والتنازع على قيادة العالم.
سؤال مركزى
يطرح الكتاب سؤالا مركزيا: هل أزاحت الحرب الروسية الأوكرانية موازين القوة بما يسمح للصين بالاقتراب من صدارة النظام الدولي؟ وينطلق في الإجابة من فرضية غير تقليدية: أن الصراع لم يُنتج فائزًا صريحا في ساحات القتال، بقدر ما فتح نافذة مكاسب استراتيجية لطرف ظل خارج الاشتباك المباشر، أي الصين. ووفق هذا المنظور، فقد استفادت بكين من اضطراب الأسواق والطاقة، ومن تبدّل أولويات الغرب، واتساع حيّز الاستقطاب الدولي، لتقترب خطوة إضافية من هدفها المُعلن بأن تصبح القوة الأولى عالميا بحلول العام 2049.
تبدأ فصول الكتاب بعنوان "لعبة الشتاء والصيف"، ثم تليها عناوين: تحالف الدب والتنين، شرارة أوكرانيا، كيف كبّلت روسيا والصين أوروبا وأمريكا؟، نار في أوكرانيا ودخان في تايوان، التنين عابر للقارات، 180 دقيقة في ألاسكا ترسم خريطة مستقبل العالم، وأخيرا خاتمة "2049.. عام الحسم". ويشدد المؤلف على أن 2049 ليست مجرد رقم رمزي، بل سنة ترتبط بهدف صيني مُعلَن يتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في العام 1949.
ويؤكد المؤلف أن الكتاب ينهل من عمل بحثي أوسع، هو رسالته لنَيل درجة الدكتوراة حول الصين 2014–2022، لكن بصياغة أقرب إلى القارئ العام، ويُعيد كتاب "2049 عام هيمنة التنين" في جوهره تعريف طبيعة الحرب الأوكرانية باعتبارها حربا "غير عسكرية" بقدر كبير: معركة على الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد والتحالفات والصبر الشعبي.
ومن هنا؛ يرى أن مركز الثقل الحقيقي لم يكن فقط في الدبابات والمدفعية والقدرات الصلبة، بل في أدوات الاستنزاف الشامل، وما لعبته من أدوار ملموسة في إعادة تحرير الميدان ورسم حدود القرار السياسي، ومدى القدرة على التحمل غربيا، فضلا على أنها فتحت في الوقت نفسه مسارا صاعدا تدير الصين من خلالها مصالحها ببرود وبراجماتية.
ويُفصّل الكتاب مكاسب بكين عبر أربعة مسارات متداخلة: اقتصاديا؛ توسّعت فرص الحصول على الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية، بينما تحملت الولايات المتحدة وأوروبا كلفة دعم أوكرانيا وتداعيات أزمة الطاقة. دبلوماسيا؛ قدّمت الصين نفسها طرفا قادرا على لعب دور "الوسيط المُحتمل" بما يعزز صورتها كقوة مسؤولة دون الارتباط الكامل بمحور ضد آخر، ويُوفّر لها مجالا للمناورة بين موسكو والغرب. جيوسياسيا؛ استثمرت انشغال الغرب بأوروبا لتوسيع حضورها في جنوب شرقيّ آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر أدوات الاستثمار والتجارة والبنية التحتية. وأخيرا على المستوى المفاهيمي؛ إذ يربط الكتاب بين الحرب وتسارع خطاب "تعدد الأقطاب" باعتباره إطارا يَحُدّ من التفرُّد الأمريكي ويمنح القوى الصاعدة، وفي مُقدّمها الصين، هامشا أكبر لصياغة القواعد.
ولتعزيز القراءة السابقة؛ يستحضر المؤلف محطة سياسية لافتة: بيان حلف الناتو في 14 يونيو 2021 الذي أشار إلى "تحديات منهجية" تفرضها الصين، ثم الرد الصيني في 15 يونيو 2021 بالتحذير من أنها "لن تقف مكتوفة الأيدي". ويتّخذ الكتاب من تلك العبارة مفتاحا لفهم سلوك بكين لاحقا، وكيف تتحول الأزمات العالمية إلى روافع نفوذ دون انخراط مباشر في الحرب.
كما يتوقف كتاب "عام هيمنة التنين" عند أثر الحرب على الأمن الإنساني والاقتصاد السياسي العالمي، مُبرزا كيف وصل دخان الصراع إلى بيوت بعيدة عن الجبهة. ويُورد أرقاما دالة: تُمثّل روسيا وأوكرانيا معا 27% من صادرات القمح و23% من صادرات الشعير عالميا، وما يقرب من ثلثي صادرات زيت عباد الشمس (أوكرانيا 42% وروسيا 21%). ويشير أيضا إلى أن روسيا أكبر مُصدّر للأسمدة بنسبة 14%، ما يجعل اضطراب الإمدادات عاملا مباشرا في ارتفاع تكلفة الغذاء أو تراجع الإنتاج والضغط على أعصاب العالم؛ لا سيما الدول النامية.
وعلى صعيد الطاقة، يربط بين طفرة الأسعار واتساع الضغوط التضخمية، مع أثر أشد على الشرائح الأقل دخلا، بينما يلفت بيئيا إلى عودة بعض الدول للاعتماد على الفحم، سعيا لتعويض نقص الإمدادات بما يُضعف مسارات الالتزام بأهداف اتفاق باريس. وفي المُحصّلة؛ يقدم "2049: عام هيمنة التنين" قراءة تقول إن حرب أوكرانيا ليست حدثا أوروبيا فقط، بل مُحفّز لتسريع إعادة تشكيل النظام الدولي، وتتخطّى كثيرًا نطاقها الميداني في أوراسيا أو الثقافي بين رؤيتين مُتقابِلَتين داخل الأمثولة الحضارية الغربية. رسالته الأساسية أن "القوة الهادئة" قد تُغيّر موازين العالم دون ضجيج، وأن فهم المنافسة الكبرى اليوم يتطلب قراءة الاقتصاد والطاقة والتحالفات، باعتبارها جديلة في جبهة واحدة، لا عناصر متفرّقة أو ساحات قتال منفصلة.
اللواء أ.ح دكتور أشرف البديوي، قيادي عسكري وخبير في الشئون الاستراتيجية والعلاقات الدولية، تمتد خبرته في صفوف القوات المسلحة لأكثر من 35 عاما، تدرّج في قيادة تشكيلات متنوعة، وشارك في عمليات مكافحة الإرهاب في سيناء، كما أسهم في بناء وتطوير وإدارة منظومات القيادة والسيطرة الحديثة، إلى جانب نشاطه كمحاضر في السياسة والعلاقات الدولية. وأكاديميا، حصل البديوي على دكتوراة الفلسفة في العلاقات الدولية من جامعة حلوان في العام 2025، وقبلها زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية 2011، وماجستير العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان 1999، وكان قد تخرّج في الكلية الحربية ببكالوريوس العلوم في عام 1987، فضلا عن حصوله على أوسمة وأنواط متعددة.