حازم حسين

لعبة سياسية فى غلاف أمنى.. الحرب والعفو ومستقبل نتنياهو على رقعة شطرنج

الأربعاء، 14 يناير 2026 02:00 م


سباق إلى وجهة معلومة، ويبدو فى دقائقه الأخيرة؛ لكن الطريق وعرة ولا يُؤمَن كيد المتنافسين على مضمارها. طالت المرحلة الأولى من اتفاق غزة عن ثلاثين ضعف مداها المقرر سلفا، وانتهت عمليا؛ وإن استبقاها نتنياهو على حال الجمود والمماطلة. وتتسارع جهود الوسطاء والضامنين للانتقال إلى تاليتها، وتذويب الخلافات الشكلية والموضوعية بين طرفيها، مع اجتناب محاذير التأثر بتداعيات الصراع داخل كل طرف منهما.

بفارق التوقيت مع الولايات المتحدة، ننهى نهارنا فى الشرق بينما يبتدئ الرئيس الأمريكى يومه الجديد. ولا أعلم هل تصدق التوقعات السابقة بإعلانه عن تشكيل مجلس السلام يوم الثلاثاء، أم تتعرض الخطوة لإرجاء جديد. لكنه حتى لو فعلها؛ فليست الحكاية موقوفة على اصطناع الرأس من دون وفاق على البدن والأطراف، وما تزال كثير من المسائل مُعلّقة على جدل عميق بشأن العناوين والمضامين.

لم يكن «الطوفان» حدثا عابرا فى الصيغة أو الأثر؛ فقد أحدث تحوّلاً هيكليا عظيما فى طبيعة الصراع وحدود التعامل معه. فى كل الجولات السابقة كانت الحرب بسيطة فى تركيبها؛ إن جاز التعبير، ولها عنوان واحد يُمكن الوصول إليه من أقصر السُبل وأيسرها: يُغير الاحتلال على القطاع دون سبب، أو ردًّا على عملية محدودة من جهة المقاومة، وبعدما تُستَوفَى الحدود المطلوبة من الثأر أو إعادة تأكيد الردع، يتوقّف الطرفان باتفاق مُعلَن أو ضمنى.

الجديد؛ أن العملية تجاوزت إمكانات حماس والفصائل الرديفة، وقفزت على أسوار إسرائيل العالية، وما عاد مُمكنًا التوقّف بها عند نطاق الإيلام أو «جزّ العشب» على فترات متقطعة، وُمتجددة فى الزمن أيضًا. والأخطر أنها تداخلت مع سواها من الملفات التى كانت بعيدة، ليس على صعيد «وحدة الساحات» لدى بقية أذرع الممانعة فحسب؛ إنما أيضا بالنسبة للمتون والحوشى الاجتماعية والسياسية داخل كل بيئة على حِدة.

والحال؛ أن غزة وحربها صارت مشكلة فلسطينية من زوايا عِدّة: حماس ومن معها أولا، والسلطة الوطنية ثانيا، ثم ما بين الاثنين. حزب الله شمالا، والنزاعات البينية داخل لبنان، وصولا أو اتصالا بالتغيرات الجذرية الحادة فى سوريا، وإلى امتداد الهلال الشيعى القديم حتى إيران بتعقيداتها الخارجية مع تل أبيب وواشنطن وغيرهما، والداخلية بتركيبة النظام وصراعاته والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة. وأخيرًا البيئة العبرية نفسها، بين الائتلاف الحكام وتناقضاته، والعلاقة مع المعارضة، ونوايا نتنياهو ومصالحه الشخصية الموضوعة فوق كل اعتبار.

وإزاء تلك الغابة مُلتفّة الأغصان، تتلخّص مهمة الوساطة الإقليمية والأمريكية بشأن غزّة فى تخليصها من الاستقطاب والتجاذبات على كل المحاور المُشار إليها، وداخل كل محور منها أيضا. بحيث لا تكون الجبهات المفتوحة بامتداد المنطقة عبئًا على القطاع المُدمّر، ولا حماس خنجرا فى خاصرة الإدارة الانتقالية المُقترحة، أو الأخيرة معبرًا لتثبيت الانقسام وعزل الجناح الثانى للدولة الضائعة عن جسده الأصيل فى الضفة الغربية، ولا أن تكون ألاعيب السياسة بين الصهاينة حاكما لترتيب البيت الفلسطينى، أو الوفاء بالالتزامات المُقرّرة بعد سنتين كاملتين من الإبادة الجماعية المتوحشة.

بيد أن الإدارة الأمريكية لا تتعاطى مع المشهد بالجدية الواجبة، ورغم كل ما يُساق من طرفها عن الاهتمام بإنهاء الحرب تماما، والخروج من غبارها إلى فضاء التعافى وإعادة الإعمار، تمهيدًا لإطلاق مسار يضمن الحقوق العادلة، أو يفتح هامشًا لإدارة الصراع بالسياسة بدلاً من الاحتدام أو الجمود.

ولا شكّ فى اهتمام ترامب بإحراز نجاح يُعزز سردية «صانع السلام»، ويُعوّض الإخفاق أو الانقلاب على شعاراته المُعلنة فى ساحات أخرى؛ إنما لا تبدو الصورة واضحة فيما يخص تعامله مع خطته ذات البنود العشرين، وما إذا كانت نهائية بصيغتها وتتابع نصوصها، أم مفتوحة للتعديل والتحريف بحسب الهوى والأوزان النسبية وقدرة كل طرف على ممارسة ضغوطه أو الانفلات من ضغوط الآخرين.

كان يُفتَرض بحسب سوابق الرسائل، أن يُفعّل البيت الأبيض مسار الانتقال إلى المرحلة الثانية خلال الشهر الماضى، وقبل موسم الأعياد فى آخر ديسمبر. انقضى الوقت وبدأت الإجازة ثم انقضت أيضًا، واستدعى ترامب حليفه «بيبى» إلى فلوريدا، وعاد الأخير بإشارات إيجابية عن فتح معبر رفح فى الاتجاهين، والتحضّر لِمَا بعد ذلك من مقتضيات الاتفاق؛ ثم انقلب عليها جميعًا وعاد إلى سيرته الأولى، مُعلّقًا الحلحلة على الجثمان الأخير، وانتشال القطاع على تجزئة برنامج الإنقاذ، وتثبيت أوضاعه الأمنية والجيوسياسية القائمة حاليًا تحت ظل السلاح وسطوة الاستفراد بالأرض والبشر.

ولا جدال فى أن غاية إسرائيل الكُبرى أن تبتلع فلسطين التاريخية بكاملها، وهذا ما يُجاهر به المتطرفون فى الحكومة وخارجها، لكن رئيسها الذى لا يقل تطرّفًا يُجيد المُداراة وفنون التقيّة التى يتشارك فيها الصهاينة مع الإسلاميين عموما، والشيعة والإخوان بالخصوص.

لهذا لا يُطلِق لهم العنان فى مشروع ضم الضفة الغربية، ولا يبدو مُرحّبًا بالعودة لاستيطان غزة فى المدى المنظور، وليس ذلك لانصراف عنهما أو زهد فيهما؛ إنما لأنه أكثر مكرًا واستشرافا للسياقات، ويعرف طبيعة الظرف الراهن وما يُمكن أن تسمح باغتنامه، أو تجبره على إرجائه وعدم التصريح به حاليا.

وإذا كانت الحرب أجهزت على حماس فعلاً، وألقت القطاع إلى مجهول لن تقلّ مهلة الخروج منه عن عقدين أو أكثر؛ فإن تمسُّكه بالبقاء على شطر من الأرض، أو بالسيطرة الأمنية على كامل المساحة، لا يُشكّلان حاجة عضوية نابعة من مصلحة وقتية أو استشعار للمخاطر المُؤجّلة؛ بقدر ما يُوظّف المسألة فى سياق الترتيبات السياسية الداخلية، وعلى مروحة واسعة من الأهداف: إزاحة سؤال الإخفاق فى الطوفان وما بعده، تقطيع الوقت لحين ترتيب خريطة التحالفات الجديدة، التهرّب من محاكمات الفساد المفتوحة على آخرها، وصولا إلى انتزاع الصدارة فى الاستحقاق المُقبل وتثبيت حضوره على رأس السلطة لولاية جديدة.

قبل أقل من عقدين، وقف سلفه إيهود أولمرت أمام القضاء والكنيست مُتّهمًا بجريمتى الاحتيال وخيانة الأمانة، وكان مع حزبه «الليكود» فى طليعة المُتشدّدين ضد قائد «كاديما»، والمطالبين بمُحاكمته بغض النظر عن أية اعتبارات سياسية أو أمنية، ولم تكن تداعيات الحرب مع الحزب جنوبّى لبنان قد انقضت تماما، ولا الأجواء صافية مع حماس فى غزّة عقب انقلابها، وقبل جولة الاشتباك الصاخبة فى 2008 وبعدها. واليوم يتقدّم نوّابه وحلفاؤه بمشروع قانون لإسقاط التهمتين، لمجرّد أنه يخضع للمحاكمة بموجبهما، كما يمسّان عددا من الوزراء ونواب الليكود وبقية أحزاب الائتلاف.

بالعودة قليلا إلى الوراء، يمكن القول إن مشروع الإصلاح القضائى كان فاتحة لمحاولة الالتفاف على مُساءلة نتنياهو عن فساده، وتمكينه من عصب الدولة وصُلب نظامها، عبر تقليص صلاحيات المحكمة العليا وغلّ يديها عن قوانين الأساس وحجّة المعقولية وغير ذلك من ضوابط ومُحدّدات فى التشريع والرقابة. قرأ الشارع الرسالة، ومعه القوى السياسية، وهاج المجال العام المدنى وصولا إلى دواخل الجيش نفسه؛ قبل أن يُلقى له يحيى السنوار طوق النجاة، وينتشله بالطوفان من مخاطر الغرق تحت أمواج الغضبة الداخلية العالية.

كان الثأر مطلبا مشروعًا أمام جمهوره، والحرب وضعت البلد على «حدّ السكين» وأمّنت له شرط الإجماع الذى تسقط معه الخلافات البينية والتفاصيل الهامشية. توفّرت الفرصة للانقضاض على حماس، وتبرّع الحزب بمنحه منفذًا إلى غلاف الممانَعة حتى رأسه فى طهران. وحّد الساحات التى تخلّى رافعو الشعار عن وحدتها، وخلط الأوراق ببعضها لتكون الحرب دائمة، أو طويلة لأقصى مدى يتيح له إعادة تكييف المشهد على رغبته، واختلاق الثغرات الكفيلة بتطيير أوراق الخصوم، وملاعبة الجميع بالبندقية والخضّة الوجودية؛ لحين ترسو السفينة على الشاطئ الذى يُلاقى رغبته ويضمن له إقامة طويلة أو خروجًا ناعمًا، وبما لا ينتقص من سيرة «الملك اليهودى» وأسطورته الذاتية التى يسعى إلى تأبيدها.

ودليل أن الحرب ليست مطلبه الأول، يتجلّى بوضوح فى تخفيض وتيرتها شمالا مع لبنان بموجب اتفاق لا هو قريب من السلام ولا من الفوضى الكاملة. كما أنه قايض عليها جنوبًا بإدخال ترامب فى ملف العفو عنه، والنزول عن شجرة الزعامة والغرور ليمثُل بين يديه مُتّهمًا يبحث عن مُحامٍ، وسياسيًّا يشترى الانتخابات المُقبلة بالترضيات المُعجّلة.

وكان ينتظر قرارا من الرئيس الإسرائيلى يستجيب للإملاء الأمريكى، قبل أن يُفجّر رجل الأعمال موطى ساندر فضيحة الوساطة بين نتنياهو وهيرتزوج، يُنتَخَب الأخير بموجبه رئيسا فى مقابل العفو عن الأول؛ فكانت خطوة القانون الساعى لإسقاط التُّهم بديلاً احتياطيًّا بالتشريع، مع استشعاره لاحتمالية تعطّل المسار التنفيذى.

أعلنت حماس مؤخّرًا استعدادها للتخلّى عن الحُكم، وتردّد أنها وجّهت قواعدها بالاستعداد لتسليم مقاليد الأمور فى القطاع. لجنة الإدارة الانتقالية تقترب من التشكيل بعد حسم خلافات الفصائل، وتلافى اعتراضات الاحتلال على بعض الأسماء.

وزادت الحركة على هذا بإرجاء الانتخابات المُعلن عنها سلفًا لاختيار رئيس جديد لمكتبها السياسى، وفى حين برّرت القرار بالانشغال بترتيبات الاتفاق وتثبيت وقف الحرب، فالاحتمال موصول بالاختلاف على الصفقة وهويّة القيادة الجديدة، وربما عدم الرغبة فى تسليم رقبة جديدة يسهل اصطيادها على الصهاينة كما حدث مع هنية والسنوار، أو أنها استجابة لنصيحة من الوسطاء بالابتعاد عن الخطوة بما تنطوى عليه من رمزية تقبل التأويل بعدم التسليم ببنود الخطة الترامبية، أو بادّعاء الوجود والسيطرة على خلاف ما تقتضيه شروط الانتقال.

ظاهر العقبة فى بقاء حماس، وجودًا تنظيميا أو سلاحا ومُقاتلين، وجوهرها فى أن رئيس حكومة الاحتلال لا يُريد تجفيف بركة الدم فى القطاع، ولا إخلاء سبيله مع عدم الاطمئنان إلى إمكانية تجديد الحرب شمالا مع الحزب، أو إقناع واشنطن بضرورة اختلاق جولة ثانية مع إيران. لكن المؤسف أن أغلب خياراته تتأسس على أكتاف الآخرين: مماطلة الحركة، أو نزاعها الظاهر والمكتوم مع سلطة رام الله، أو ارتياب الوسطاء وبقية دول العالم من طبيعة قوّة الاستقرار المقتوحة، وهياكلها وصلاحياتها وحدود دورها، وما إذا كانت تنفيذية أم تحفّظية، بمعنى هل تنحصر مهمتها فى الرقابة أم يُطلَب منها الصدام مع الفصائل.

والهروب من أحابيل العجوز الماكر يتطلّب فض خيوطها عن بعضها، والخروج منها واحدًا بعد الآخر. يُسلّم الحماسيّون بالهزيمة وما يترتّب عليها من تنازلات، مع الحرص على تجيير أى تنازل لصالح البديل الفلسطينى الشرعى، لا للعدو أو على المشاع.

يكتمل التوافق على اللجنة المُكلّفة بالإدارة، وتُحشَد الجهود لإقناع الدول بالمشاركة فى قوّة الاستقرار، على ألا تتأخّر كثيرًا عن مجلس السلام، ولا تُناط عملية إعادة الإعمار بسواها، ودون أن تكون تحت وصابة الاحتلال أو فى مناطق سيطرته.

ولا مانع من بعض المرونة فى البدايات؛ فالمهم أن تتجسّد القوّة الدولية وتضع أقدامها على الأرض، لتشُق مسار التدويل وإشراك الخارج فى الثنائية المُغلقة على نتنياهو والقسّام، ثم يكون التمسُّك ببنود خطة ترامب بحذافيرها جدارًا صلبًا يتصدّى للانحرافات، وتُفعّل تفاصيل المرحلة الانتقالية فى حمايتها وحماية قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2803.

كل ما يشغل نتنياهو ألا يُسأل عمّا يفعل، ولا ما فعله طيلة الشهور والسنوات الماضية. مسألة الإخفاق فى اليقظة أو القتال تخص الداخل، كما يخصّه موضوع الفساد ومحاكماته السائرة. ترامب يُمكن أن يكون ضامنًا له أمام بيئته، كما أنه ضامن لاتفاق غزّة أمام الوسطاء والمنظومة الدولية.

لا يد للفلسطينيين فى مُناكفات الداخل العبرى، ولا سبيل إلى الخلاص من تداعياتها؛ لكن جانبًا كبيرًا من طاقتها وتأثيرها سيتداعى بمُجرّد قطع الحبل السُرّى بين تل أبيب وجبهات الحرب المفتوحة بالتتابع، أكان باتّضاع الحزب للدولة اللبنانية فى حصرية السلاح، أم بإنجاز شروط الانتقال من جانب غزّة، مع مُراعاة أن هامش التصعيد تجاه سوريا يضيق عليه، وأنه لا يُمكن أن يُجدد حربه على الجمهورية الإسلامية من دون شراكة واشنطن أو ضوئها الأخضر.

كُلفة الانتقال بأقل من الشروط المُتّفق عليها سيئة؛ لكن الجمود أسوأ. إذ يُبقى القطاع تحت طائلة الخراب، ومُعرّضًا لمخاطر وجودية لا يسهل توقّعها أو إغلاق أبوابها بارتياح كامل. يُطيل أمد السيولة وانعدام الخيارات وتعقُّد التفاهمات البينية وإبقائها تحت رحمة الخيارات «فوق الفلسطينية»، ويُتيح لزعيم الليكود أوسع هامش مُمكن للمناورة على عدة محاور، داخليا وخارجيا وفى حيّز الوصل بين المجالين.

وليس مُهمًّا على الإطلاق كيف تتشكّل اللجنة التكنوقراطية، ولا نوعية الأسماء المُمثّلة فيها وخلفياتهم. الأهم أن تكون بعيدة من حماس، وغير مقطوعة الصلة مع السلطة. مجلس السلام واجهة التسوية ورُمّانة ميزانها؛ لكن عامل الترجيح يعود إلى قوّة الاستقرار الدولية، وطبيعة علاقتها بالإدارة الانتقالية وجهازها الأمنى البديل، وتجاوب كل القوى والتيارات والمكوّنات الفلسطينية معها.

وبعدها؛ يُمكن الاشتجار على التفاصيل من نقطة أكثر تقدّمًا مما يقف القطاع عنده حاليا، وبالضغوط لزحزحة الاحتلال من الخط الأصفر للأحمر، وبمقايضته على تمويل الإعمار بأن يكون وفق الشروط المُتّفق عليها، وفى كل الأحوال سيتحقق المكسب الأكبر عمليا بإنهاء فرص تجديد الحرب أو توسيع مناطق سيطرة الإسرائيليين. يُشبه المشهد لعبة شطرنج مُعقّدة، مع فارق كبير فى التوازنات، وهامش ضيق؛ لكن مصاعب الحركة أقل بما لا يقاس على مخاطر الثبات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة