حسين ثابت

كيف يعيد الطب الشخصي تعريف مفهوم المرض

الأربعاء، 14 يناير 2026 09:48 ص


لأول مرة في تاريخ الطب، لم يعد المريض يُفهم فقط من خلال الأعراض وصور الأشعة والتحاليل، بل من خلال الشفرة الوراثية التي تصنع كل اختلاف بين البشر: الجينوم. هذا التحول نقل الطب من نموذج “العلاج للجميع” إلى نموذج “العلاج على مقاس الفرد”، حيث لم تعد الجرعة ولا نوع الدواء قرارًا عامًا، بل قرارًا بيولوجيًا دقيقًا.

لفترة طويلة، بُني الطب الحديث على افتراض أن الإنسان نموذج واحد، وأن الدواء الذي ينجح مع الأغلبية سيعمل مع الجميع. لكن علم الوراثة كشف أن هذا الافتراض مبسّط إلى حد الخطر. كل فرد يحمل آلاف الاختلافات الدقيقة في حمضه النووي، تُعرف بالطفرات الوراثية Genetic mutations، وهي اختلافات قد تحدد كيف يمتص الجسم الدواء، وكيف تستجيب له الخلايا. اختلاف واحد في جين مسؤول عن دواء معيّن قد يحوّل جرعة عادية إلى جرعة غير فعالة عند شخص، أو إلى جرعة سامة عند آخر.

لهذا السبب لم يعد فشل العلاج لغزًا طبيًا كما كان في السابق، بل نتيجة يمكن تفسيرها جزيئيًا. الطب الشخصي لا يسأل: “ما هو المرض؟” بل يسأل: “كيف يظهر هذا المرض في هذا الجسد تحديدًا؟”

غير أن الجينات ليست القصة كاملة. فالإنسان ليس جينومًا يسير على قدمين، بل نظامًا بيولوجيًا تعيش فيه تريليونات الكائنات الدقيقة، ويتأثر بنمط الغذاء والنوم والضغط النفسي والبيئة. الميكروبيوم، أي البكتيريا التي تعيش داخل الجسم، يمكنه أن يزيد أو يقلل من فعالية أدوية السرطان-على سبيل المثال-، وأن يؤثر على المناعة والالتهابات. كما أن آليات أكثر تعقيدا تسمى الوراثة الإبيجينية Epigenetics، وهي الآليات التي تتحكم في تشغيل الجينات أو تعطيلها، تجعل نمط الحياة والظروف البيئية شركاء مباشرين في تشكيل المصير الصحي.

بهذا المعنى، لم يعد التشخيص مجرد تسمية مرض، بل قراءة شبكة معقدة من البيانات البيولوجية التي تتفاعل داخل كل إنسان بطريقة مختلفة.

التحول الأكبر الذي يقدمه الطب الشخصي Precision medicine هو الانتقال من “التجربة والخطأ” إلى “التنبؤ والاختيار المسبق”. عبر تحليل الجينوم، يمكننا الآن التنبؤ بدرجة استجابة المريض لدواء معين قبل أن يتناوله. وفي السرطان، يتم تحديد الطفرات التي تدفع الورم للنمو، ثم توجيه العلاج ضدها تحديدًا، بدل تدمير كل الخلايا كما تفعل العلاجات التقليدية.

في هذا السياق، يتحول الجسد إلى نظام بيانات يتمثل في الجينوم، والميكروبيوم، ومؤشرات الدم، تلك التي يمكن تحليلها عبر خوارزميات قادرة على اكتشاف أنماط لا يستطيع العقل البشري وحده رصدها. لم يعد الطب يراقب الجسد فقط، بل يقرأه كما يُقرأ ملف رقمي معقّد.

تحليل الدم يخبر بما يحدث الآن، أما تحليل الجينوم فيخبر بما قد يحدث مستقبلا. القدرة على كشف الاستعداد الوراثي للأمراض لا تعني التنبؤ بالمصير، بل فتح باب الوقاية المبكرة. وعندما تُجمع هذه البيانات على مستوى مجتمع ما، تبدأ صورة جديدة للأمراض في الظهور، صورة مرتبطة بالهوية الجينية لكل شعب.

من هنا يصبح الطب الشخصي علمًا استراتيجيًا، والقبض على زمامه مسألة أمن قومي، لأن البيانات الجينية ليست مجرد أرقام، بل مادة خام لفهم الإنسان وتطوير علاجات ملائمة له. ومع هذه القوة تأتي مسؤولية أخلاقية كبرى: حماية الخصوصية وبناء الثقة بين العلم والمجتمع.

في النهاية، يعيد الطب الشخصي تعريف المرض بوصفه ظاهرة فردية لا نسخة مكررة. الإنسان ليس متوسطًا إحصائيًا، بل حالة بيولوجية فريدة، ومع كل جينوم يُقرأ، يقترب الطب خطوة أخرى من فهم الحياة لا كقالب واحد، بل كتنوع لا نهائي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة