ما بين 30 يناير 1933 تاريخ تولى «هتلر» منصبه كمستشار لألمانيا، ثم القائد الأعلى «الفوهرر» للبلاد، و20 يناير 2025 تاريخ تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية فى ولايته الثانية، مرور 92 سنة وعشرة أيام بالتمام والكمال؛ تقلب فيها العالم ما بين حرب عالمية ثانية كان تأثيرها على الخريطة الجغرافية الدولية كارثيا، كما اندلعت حروب متناثرة وصراعات واحتلال دول واستقلال أخرى.
اللافت بين التاريخين، أو العهدين، ألمانيا فى الثلاثينيات فى عهد «هتلر» وأمريكا فى الربع الأول من الألفية الثانية، تشابه كبير فى المشهد العام للبلدين من ناحية، والمشهد الدولى من ناحية ثانية، يتجاوز 12 تشابها إلى حد التطابق، الأمر الذى يؤكد أن العالم بالفعل يعيش حالة حرب عالمية ثالثة، كما أكدنا فى مقال أمس الأول.
التشابه الأول: السياق النفسى والمعنوى العام، فألمانيا قبل صعود هتلر كانت تعيش حالة شعور بالإهمال وفقدان المكانة، نفس الحالة تعيشها أمريكا حاليا فى عصر ترامب، فأمريكا لديها شعور متزايد بفقدان التفوق المطلق، وأن هناك قوى منافسة لها بدأت تهدد عرش تفوقها، مثل الصين.
النتيجة أنه فى الحالتين، ألمانيا وأمريكا حاولتا إعادة توظيف الإحباط الجمعى لإعادة الهوية الوطنية وفق الصراع، وليس وفق مبادئ الوطنية والانتماء.
التشابه الثانى: هتلر كان يقدم نفسه باعتباره المنقذ للشعب الألمانى، نفس الأمر ترامب يقدم نفسه باعتباره القادم فى الوقت المناسب لإنقاذ أمريكا من الإنهيار.
التشابه الثالث: هتلر تبنى خطابا شعبويا استخدم فيه البساطة فى طرح المشكلات مهما كانت تعقيداتها، وهو نفس النهج الذى يتبعه ترامب.
التشابه الرابع: الاصطدام بالمؤسسات، فهتلر اصطدم بالقضاء والبرلمان والإعلام، وهو الأمر نفسه الذى ينتهجه دونالد ترامب حاليا، فقد اصطدم بمعظم المؤسسات من بينها الكونجرس والقضاء.
التشابه الخامس: هتلر تبنى نعرة قومية متعالية، ويسير على دربه ترامب حاليا، حيث يتبنى نفس النعرة وإن بدت بشكل مغاير ومختلف لكنهما يتفقان فى الشكل والمضمون.
التشابه السادس: هتلر صنع عدوا خارجيا وداخليا، بينما ترامب دشن خطابا صداميا عنيفا ضد دول وكيانات ومؤسسات داخلية وحتى المهاجرين صنع منهم عدوا قويا يهدد ويحد من انطلاقة أمريكا وسيطرتها على العالم.
التشابه السابع: هتلر تبنى فقه استعراض القوة والتحركات العسكرية، وتهديد الأعداء، نفس النهج اتبعه أيضا دونالد ترامب، رافعا التهديد والوعيد العسكرى، بغزو دول والاستحواذ على جزر وممرات ومعادن ونفط، ونفذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى «مادورو» وحرمه، بجانب القرارات الغريبة من رفع الرسوم الجمركية والانسحاب من الاتفاقيات الدولية كرسالة داخلية.
التشابه الثامن: يتسق مع التشابه السابع فى أن هتلر أعلى من شأن التهديد بالحرب والغزو كحق تاريخى، فى حين أن ترامب يلوح بتوجيه ضربات عسكرية عنيفة من باب الابتزاز السياسى والاقتصادى.
التشابه التاسع: عدم الاعتراف بالنظام والأعراف الدولية، فهتلر رفض ما تمخضت عنه معاهدة «فرساى» على سبيل المثال، فى حين ترامب لا يعترف بأى أعراف أو نظام دولى، فلم يعتد بأحكام المحكمة الجنائية ولا يرى منظمة الأمم المتحدة أنها كيان مهم، ويتهكم على الاتحاد الأوروبى، وحلف الناتو، ويرى أن أمريكا أهم وأجدى وأقوى من كل هذه الكيانات.
التشابه العاشر: هتلر وترامب يتفقان إلى حد التطابق فى طريقة إدارة الأزمات وفق المكسب والخسارة فقط، إما الانتصار أو الهزيمة، إما نحن أو هم، وهو منطق مفرق ولا يجمع، ويباعد بين نقاط التلاقى فى التسويات والحد من مخاطر الانفجار.
التشابه الحادى عشر: التوافق الكبير بين فكرة هتلر فى الربط بين القضايا الداخلية والخارجية أمنيا، وأنه لا توجد خطوط فاصلة بينهما، ويرتبطان ارتباطا عضويا، بينما ترامب توسع فى هذا المفهوم، رابطا الأمن القومى الأمريكى بالاقتصاد والهجرة والحروب التجارية وعقد الصفقات المجحفة للشعوب والسيطرة على المعادن والنفط.
التشابه الثانى عشر: اللجوء للنوستالجيا فى الخطابين، فقد تبنى هتلر التذكير بالحنين إلى الماضى وأمجاد «الرايخ»، فى حين لعب ترامب على أوتار مشاعر ناخبيه بالتذكير بعظمة أمريكا السابقة، وماضيها العظيم، متبنيا شعار «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».
كل هذا التشابه الكبير بين ألمانيا الثلاثينيات وأمريكا فى الربع الأول من الألفية الثانية، ثم هتلر وترامب، فى المسار الخاطئ والسياسة، يؤكد أن العالم فعليا يعيش حربا عالمية ثالثة، وأن القادم لا يؤشر إلى خير فى ظل عقيدة وأفكار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المستنسخة من أفكار «هتلر».