ما اصعب الرحيل المباغت لشخص عزيز على القلب، كان حاضرا بقوة في حياتنا وفجأة نسمع خبر وفاته.تلقيت ببالغ الاسى و الحزن نبأ وفاة الاستاذة الجليلة الدكتورة هدى درويش عميدة كلية الدراسات الآسيوية العليا جامعة الزقازيق سابقا، وهي في طريقها لتمارس عملها في نشاط كالعادة مستمرة وهي في السبعينات من عمرها في السفر من القاهرة إلى الزقازيق تعلم وتدرس وتناقشج الباحثين من مختلف دول العالم، لا يؤخرها شىء عن هذا الهدف النبيل مهما حدث.
وكنت بحكم كوني تلميذا مقربا لها لا تناديني الا بابني الغالي، اقول لها وقد اشفقت عليها من عناء السفر - اما أن الاوان للراحة و الاكتفاء بالتأليف والكتابة، بعيدا عن العمل اليومي الأكاديمي والمشاركات الاجتماعية كنائب مقرر المجلس القومي للمرأة بمحافظة الشرقية.
كانت كل مرة ترد بحزم( توقفت معناه مت وانقطعت صلتي بالحياة)..
كانت الراحلة الكريمة دكتورة هدى درويش مصدر إلهام لنا جميعا، سيدة سبعينية في قمة النشاط والحيوية تستيقظ مبكرا للتدريس أو حضور مناقشة علمية أو مؤتمر هنا وندوة هناك، وبعد الظهر تراها في مناسبات ثقافية و اجتماعية، فكانت مجاملة لابعد حد لا ترفض دعوة قريب أو بعيد، مؤمنة بمبدأ جبر الخواطر
و عندما تحدثنا قبل اسبوع واحد من وفاتها، كان في سبيل تطوير الجمعية العالمية لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، وربطها بشبكة جامعات عالمية، وما رايك في مؤتمر كذا و ندوة عن الموضوع الفلاني وخطة كاملة لعام 2026، اي انها لاخر نفس تخطط لما ينفع الناس و يمكث في الأرض.
وبغض النظر عن الجانب العلمي المتميز وكونها من أهم الأساتذة الذين كتبوا في دراسات الديانة اليهودية بعمق وخصوصا كتبها عن حجاب المرأة اليهودية و ادم وحواء بين اليهودية والإسلام والاستشراق اليهودي والتصوف اليهودي و الجذور الدينية للصراع السياسي في اسرائيل، وغيرها من الكتب المتعمقة في هذا المجال.
الا ان الجانب الإنساني كان حاضرا بقوة في مسيرتها، فهي تفتخر دائما كونها أما لفتاة من ذوي الهمم أصبحت بطلة رياضية، وفي سبيلها أسست مدرسة لهم ..وكانت مقتنعة بأهمية دمج ذوي الهمم في المجتمع، يتعلموا ويعملوا مثل الآخرين دون أي تمييز.
أما جانب التصوف في حياتها فكانت حريصة جدا على إبراز جوهر التصوف وقيمه التي تكمن في تزكية النفس وتطهير القلب من أمراضه، والتقرب إلى الله بالأخلاق الفاضلة، فهو يمثل البعد الروحاني والتربوي للإسلام، ويهدف إلى الوصول إلى درجات القرب الإلهي من خلال المجاهدة والزهد، مع التركيز على إجلال الفكر، وحسن الخلق، والإحسان للناس، والعودة إلى الفطرة النقية، ليصبح الصوفي قدوة في الزهد والورع، ومثالاً في الأخلاق والقيم الإنسانية كالتواضع والمحبة والتسامح. وكانت تحضر جلسات العشيرة المحمدية لمؤسسها مولانا الشيخ محمد ذكي ابراهيم عليها رحمة الله، و تشعر بالسعادة وهي جلسات الذكر أو في زيارة أولياء الله الصالحين، وكانت رحمها الله تؤمن بأهمية تطبيق ما وراء المعنى الدلالي للحديث الشريف الذي رواه الترمذي( أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)..
منها تعلمنا قيمة العطاء و البذل لاخر نفس..لروحها السلام و لما تركته من أثر البقاء والخلود.