
شعبان-هدية
- 700 جيجاواط طاقات متجددة متوقعة خلال عام واحد.. السوق حسم قراره
- آيرينا: الطاقة المتجددة ليست حلًا مناخيًا فقط بل مسارًا للتنمية والأمن الاقتصادي
الطاقة لم تعد مجرد سلعة، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا للأمن الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار السياسي، وقد شهد العالم تقدما كبيرا في نشر الطاقة المتجددة عالميًا، لتشكل 92% من القدرة الجديدة المركبة للطاقة في 2025، مع توقع إضافة نحو 700 جيجاوات جديدة خلال العام الحالي، وتضعفت الاستثمارات في هذا المجال إلى 2.4 تريليون دولار، حتى تفوقت على استثمارات الوقود الأحفوري.
.jpg)
وتحت شعار "تمكين الإنسانية: الطاقة المتجددة من أجل الازدهار المشترك"، تُعقد الجمعية الـ16 لوكالة الطاقة المتجددة (IRENA) ، في العاصمة الإماراتية أبوظبي بحضور ممثلي أكثر من 139 دولة في أكبر تجمع عالمي لقادة الطاقة وصناع القرار في مجال الطاقة النظيفة.
فالطاقة المتجددة ليست فقط حلًا مناخيًا، بل أيضًا مسارًا للتنمية الاقتصادية، والأمن الطاقي، والتنافسية المستقبلية للدول حسبما قال فرانشيسكو لا كاميرا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، الذي أكد في حواره مع اليوم السابع من أبوظبي، حيث اجتماعات الوكالة السنوية، أن نجاح تحول الطاقة العادل لن يُقاس فقط بالميجاوات المركبة، بل بالأثر المباشر على حياة الناس وتمكين المجتمعات، وأن قطار الطاقة النظيفة أنطلق بقوة ولا أحد يستطيع أن يقف أمامه، والأرقام خير مثال على ذلك فمنذ 2015 وقت توقيع اتفاق باريس ارتفعت القدرة المركبة للطاقة المتجددة من 153 جيجاوات إلى أكثر من 4,400 جيجاوات في 2025، أي ما يقارب 30 ضعف الرقم السابق.
.jpg)
ومعلومات وأرقام جديدة كثيرة في هذا الحوار للمسئول الأول في الهيئة الدولية المنظمة لمجال الطاقة المتجددة.. إلى الحوار..
في ظل الاضطرابات الجيوسياسية العالمية وتشجيع بعض الدول الكبرى لسياسة التوسع في استخراج النفط فهل هذا يهدد مستقبل الطاقة المتجددة؟
العالم لن يعود إلى الخلف والقطار أنطلق ولن يتراجع، والطاقة المتجددة أصبحت الخيار الأكثر تنافسية وأمانًا من حيث التكلفة والاستقرار على المدى الطويل، وعلينا أن نتمعن فيما يحدث حولنا فالعالم يشهد تحولًا تاريخيًا لا رجعة فيه في نظام الطاقة ، وأقرب دليل هذا التجمع الذي يعد مشاركة غير مسبوقة، بمشاركة تفوق 1500 من ممثلي 139 دولة والاتحاد الأوروبي، ومراقبين ومشرعين وشباب وممثلي الإعلام والقطاع الخاص، هذا الحضور الكثيف يبعث برسالة قوية، في ظل أزمات متداخلة تشمل التوترات الجيوسياسية، والضغوط الاقتصادية، واتساع فجوات عدم المساواة، إلى جانب الأزمات الكوكبية الثلاث: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث.
فالسوق حسم خياره، و92% من القدرات الجديدة المركبة لتوليد الكهرباء خلال العام الماضي كانت من مصادر متجددة، مع توقع إضافة نحو 700 جيجاواط جديدة خلال العام الجاري، وهو ما يعادل ضعف إجمالي القدرات النووية التي بُنيت عالميًا على مدار سبعين عامًا.
.jpg)
في ظل ذلك هناك عدم عدالة وفجوة كبيرة بين الدول والمناطق المختلفة وشعور أغلب الدول بعدم العدالة فكيف يمكن أن سيتفيد الجميع من هذا التحول؟
• هذه التحديات تهدد استدامة نموذج التنمية العالمي الحالي، وتغذي شعورًا متزايدًا بعدم العدالة والمطالبة بمشاركة أوسع وأكثر إنصافًا في توزيع ثمار النمو العالمي، في ظل أن أنظمة الطاقة في العالم تمر بتحول جذري، ينتقل من نموذج مركزي قائم على الوقود الأحفوري إلى نظام أكثر لامركزية يعتمد على الطاقة المتجددة، بما في ذلك الاستخدام المستدام للكتلة الحيوية والهيدروجين، ولا سيما الهيدروجين الأخضر المنتج من مصادر متجددة.
وجميع بيانات وتقارير «آيرينا» تثبت أن الطاقة المتجددة اليوم هي الوسيلة الأكثر تنافسية لتوليد الكهرباء، متفوقة على الوقود الأحفوري من حيث التكلفة والمرونة والاستقرار طويل الأجل، والاستثمارات الجديدة في الطاقة المتجددة وتخزين الطاقة ستصبح قريبًا أكثر جدوى من الاستمرار في تشغيل محطات الفحم القديمة.
.jpg)
دمج الطاقة المتجددة في السياسات الصناعية
= لكن هناك أصحاب نظرية الحفاظ على النمو الاقتصادي هو السبيل لتحقيق الأفضلية في التنافس العالمي؟
• القدرة التنافسية لاقتصادات المستقبل ستُقاس بمدى قدرتها على نقل الإلكترونات والجزيئات بأقل تكلفة ممكنة، وتوفير طاقة نظيفة وآمنة وبأسعار معقولة، والدول السباقة ستحقق مكاسب إنتاجية وتنافسية طويلة الأجل، لذلك فدمج الطاقة المتجددة في السياسات الصناعية يساعد الدول على تعظيم القيمة المحلية، وبناء المهارات، وتعزيز القدرات الهندسية، وخلق منظومات ابتكار مستدامة تتجاوز قطاع الطاقة.
وعلى الدول تعزيز استراتيجياتها للطاقة المتجددة، ليس فقط لأسباب مناخية، ولكن لأنها المسار الاقتصادي الأكثر أمانًا لتحقيق التنمية والأمن وإزالة الكربون وتعزيز التنافسية، وحسب أحدث تقاريرنا في «آيرينا»، من المتوقع استمرار انخفاض التكاليف الرأسمالية لمشروعات الطاقة المتجددة، لكن هذا يحتاج لتكثيف التعاون الدولي في توفير آليات تمويل منخفضة التكلفة، وتقليل مخاطر الاستثمار، وتوسيع أدوات التمويل المختلط.
تحول الطاقة في جوهره قضية إنسانية
= تبقى أزمة التمويل التحدي الأكبر والعائق أمام توسع الدول النامية في مشروعات الطاقة المتجددة هل لديكم حلول لها؟
• النمو المتسارع لمشروعات الطاقة النظيفة يضع «آيرينا» في قلب مشهد التحول العالمي للطاقة، ليس كمراقب، بل كمرجعية رئيسية للسياسات والتخطيط والتعاون الدولي، وهذا المسار لا يمكن إيقافه أو التراجع عنه، والوصول إلى التمويل منخفض التكلفة يجب أن يكون ركيزة أساسية للتعاون الدولي، فالطاقة المتجددة لم تعد مجرد حل مناخي، بل أصبحت حلًا للتنمية والتنافسية والأمن الطاقي.
.jpg)
كيف يؤثر عدم الاستقرار العالمي على الطاقة المتجددة؟
التطورات الأخيرة تزيد من تقلبات الأسواق وعدم اليقين، بعد حرب أوكرانيا شهدت بعض الدول تحوّلًا أسرع نحو الطاقة المتجددة، حتى من كانوا يشككون في الطاقة المتجددة أو تغير المناخ بدأوا يدركون أنها تمنحهم استقلالية طاقية وتقليل الاعتماد الخارجي، والأحداث العالمية الأخيرة لن تؤخر التحول الطاقي، بل ستعززه، في ظل سعي الدول إلى تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة غير المستقرة.
والعلم واضح: من دون تغيير جذري في المسار الحالي، سيفقد العالم فرصة تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، وهو ما سيكون محورًا رئيسيًا في تقرير «آيرينا» لتوقعات تحول الطاقة العالمية 2026، فتحول الطاقة في جوهره قضية إنسانية، ونجاحه الحقيقي لا يُقاس بعدد الميجاوات المركبة، بل بعدد الأرواح التي يتم تمكينها وتحسينها نحو مستقبل أكثر عدلًا واستدامة.
في أحدث تقرير للوكالة عن حالة الوظائف ما هو تقييمكم لخريطة الوظائف العالمية وهل هذه الأرقام تدل على العدالة؟ ما التوقعات للمستقبل؟
تركيب الطاقة المتجددة يشهد طفرة، لكن الجانب البشري لا يقل أهمية عن الجانب التكنولوجي، ويجب على الحكومات وضع الإنسان في صميم أهدافها الطاقية والمناخية من خلال سياسات تجارية وصناعية تشجع الاستثمار، وتبني القدرات المحلية، وتطور القوى العاملة الماهرة على طول سلسلة الإمداد.
يذكرنا التفاوت الجغرافي في نمو الوظائف بضرورة إعادة تنسيق التعاون الدولي، ودعم الدول المتأخرة لضمان وصول الفوائد الاقتصادية والاجتماعية للجميع، وتعزيز الدعم الشعبي للانتقال الطاقي.
لا شك أن هناك حاجة لتعزيز الشمولية والعدالة في القطاع، فالانتقال العادل للطاقة يتطلب عدم ترك أي فئة، بما في ذلك النساء وذوي الإعاقة، على هامش سوق العمل، ولا يزال كلاهما غير مستغل بالكامل، ما يستدعي اتخاذ إجراءات ممنهجة وشاملة.
وتتصدر الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) الوظائف بفضل التوسع السريع في التركيبات ومصانع الألواح، ومازالت الصين الجزء الأكبر بـ 4.2 مليون وظيفة، أما الوقود الحيوي السائل ففي المرتبة الثانية بـ 2.6 مليون وظيفة، نصفها تقريباً في آسيا، تليها الطاقة الكهرومائية بـ 2.3 مليون، وطاقة الرياح بـ 1.9 مليون.
مرحلة مهمة في مسار تحول مصر نحو الطاقة النظيفة
= وفقا لتقرير الوظائف ما هو موقف الشرق الأوسط ومنه مصر في مجال الطاقة المتجددة؟
• مصر شهدت في 2024 مرحلة مهمة في مسار تحولها نحو الطاقة النظيفة، مع تنامي استثمارات الطاقة المتجددة وتوسع في المشاريع الكبيرة التي تُحدث أثراً مباشراً على سوق العمل ومختلف القطاعات الاقتصادية، ويصب هذا في تنفيذ استراتيجية وطنية تهدف إلى زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 42% بحلول عام 2030، ولا ننكر أن مصر تمتلك إمكانات طبيعية هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يجعلها وجهة واعدة للاستثمارات في هذا المجال.
ووفقا لتقديرات IRENA الخاصة بوظائف الطاقة المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشير إلى نمو واضح في الوظائف المرتبطة بقدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المتزايدة، بما في ذلك في مصر، وبلغ عدد الوظائف في قطاع الطاقة الشمسية حوالي 5 900 وظيفة وحوالي 5 200 وظيفة جديدة في قطاع طاقة الرياح.
هذا النمو في الوظائف في مصر يرتبط بشكل مباشر بتوسع المشاريع الكبرى التي أُعلن عنها، بما في ذلك المشاريع الشمسية والريحية الضخمة، والتوسع في التعليم والتدريب الفني في الطاقة المتجددة.
ما دور الوكالة في تشجيع الاستثمار بالطاقة المتجددة في أفريقيا؟
نحن ندعم أفريقيا بعدة طرق، سواء المبادرات الإقليمية وخطط الانتقال الطاقي، ونقدم رؤى مبنية على البيانات، مع بناء القدرات والمساعدة التقنية، ودعم الحكومات والوكالات الوطنية بالتدريب والخبرة الفنية.
كما نحاول تسهيل التمويل والشراكات، بربط الدول الأفريقية بالمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين، وزيادة قابلية المشاريع للتمويل، ودعم المشاريع ونقل المعرفة، ومشاركة الدروس المستفادة من مشاريع ناجحة عالميًا لتعزيز الثقة في المشاريع المحلية.
وكذلك الإرشاد السياسي والتنظيمي، من تقديم استشارات حول السياسات والحوافز لجذب الاستثمارات، مثل التعريفات التفضيلية والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع تشجيع التعاون الإقليمي، ودعم المشاريع العابرة للحدود والتجارة الطاقية الإقليمية لزيادة الفاعلية وتقليل التكاليف، والتركيز على الانتقال العادل والشامل: إبراز المنافع الاجتماعية والاقتصادية مثل خلق فرص العمل وتحسين الوصول للطاقة.
ما هو دور IRENA في دعم الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نموا؟
ملتزمون بدعم الدول الجزرية الصغيرة، خصوصًا في مواجهة التحديات الفريدة لهذه الجزر من حيث المساحة، الموارد، والبنية التحتية.
الوكالة الدولية للطاقة المتجددة تعمل على تمكين الدول الصغيرة والنامية لتحقيق أهداف الطاقة المتجددة بحلول 2030، فالكاريبي والجزر الصغيرة، ليدنا حلول مخصصة، كطاقة شمسية صغيرة، طاقة مائية، طاقة الرياح، طاقة حيوية، وفي أفريقيا نقوم ببناء القدرات، وتسهيل التمويل، نقل المعرفة، استشارات سياسية، وكذلك في جنوب شرق آسيا، ندعم التخطيط، بناء القدرات، تسهيل الاستثمار، التعاون الإقليمي، وكل دولة أو جزيرة تتطلب حلولًا مخصصة، ومع المنصات والشراكات الدولية، يمكن الاقتراب من تحقيق أهداف الطاقة المستدامة 2030
نحن نعمل حاليًا مع أكثر من 40 دولة و50 شريكًا دوليًا لتحقيق هذا الهدف، على سبيل المثال، في دومينيكان، نجحنا في جمع شركاء دوليين، قدموا المعرفة والخبرة، والتكنولوجيا المتقدمة، والبنك الدولي دعم المشروع بمنح مالية، هذا التعاون مكّن من تنفيذ مشروع جيولوجي حراري في جزيرة صغيرة، وهو مشروع كان من الصعب تمويله في البداية.
بالإضافة إلى الطاقة الشمسية، تتيح الجزر الستة “Lighthouses” حلولًا أخرى للطاقة المتجددة، مثل الطاقة المائية، وطاقة الرياح، والطاقة الحيوية، وهي لا تتطلب مساحات كبيرة، مما يحافظ على المناظر الطبيعية ويوازن بين الطاقة والسياحة.
هل هناك أي مساهمات إقليمية يتم تقديمها للدول والأقاليم التي بحاجة إلى تطوير مسارها في مجال الطاقة المتجددة؟
نعمل على تطوير عدة مبادرات إقليمية، منها في إفريقيا، فلدينا مبادرة قائمة لدعم التخطيط وبناء القدرات، وفي آسيا الوسطى نقوم بتأسيس مبادرة لدعم الطاقة المتجددة، وفي جنوب شرق آسيا أطلقنا مبادرة في سنغافورة، وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي على وشك الإطلاق، وستخدم الجزر الكاريبية أيضًا.
هذه المبادرات تركز على التخطيط الاستراتيجي، بناء القدرات، وتسهيل المشاريع، لتقليل المخاطر وزيادة فرص الاستثمار
هل توجد لديكم ميزانيات كافية لتمويل أو للمساعدة في دراسات مشاريع الطاقة بالدول النامية؟
ميزانية الوكالة محدودة، لذا نعتمد على مساهمات طوعية من دول مثل الدنمارك وألمانيا، بعض المشاريع تتطلب مشاركة القطاع الخاص والتمويل الدولي لضمان تنفيذها، نعمل أيضًا على البحث عن مصادر بديلة للتمويل لتغطية المشاريع قبل اتخاذ القرارات الرسمية، فالطلب على الطاقة سيزداد سريعًا، والتعاون الإقليمي أمر حاسم لضمان النجاح.
قبل أيام أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من أكثر من 66 وكالة وهيئة دولية بينهم وكالة الطاق المتجددة فهل هذا سيؤثر سلبا على أداء الوكالة أو ما خطورته على مشروعات الطاقة المتجددة؟
بكل تأكيد نأسف لهذا القرار ورغبة انسحاب أمريكا من عضوية الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وقامت الولايات المتحدة على مدى سنوات بدور مهم في تعزيز الطاقة المتجددة من خلال التعاون الدولي، واليوم، لم تعد مصادر الطاقة المتجددة مجرد حل لمواجهة تغيّر المناخ، بل أصبحت اقتصادًا ذكيًا، وستكون العامل الحاسم في تنافسية الاقتصادات، ومحركًا قويًا لفرص الأعمال، وخلق الوظائف، والريادة التكنولوجية، والابتكار الصناعي.
ومع هذا سنظل نحافظ على التعاون الدولي وملتزمين بدعم الدول والشركات في جهودها لتسريع التحول العالمي في مجال الطاقة، وتحقيق الفوائد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والأمنية للطاقة المتجددة بما يدعم مسارات التنمية.