منذ ولايته الأولى، اعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجاً راديكالياً واضحاً باتجاه إحداث تغيير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية؛ يرتكز على المصالح القومية الأمريكية الضيقة على حساب الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة لعقود في النظام الدولي، بوصفها مروجاً للقيم الليبرالية وكياناً فاعلاً في منظومات العمل الجماعي بين الدول التي تتقاسم ذات الرؤى فيه.
تعتمد استراتيجية الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب على تأمين أكبر قدر ممكن من الموارد وتقليص حجم الانفاق الخارجي إلى أدنى مستوياته الممكنة؛ بدءاً من وقف تمويل مؤسسات حظيت بأهمية لدى الإدارات المتعاقبة، ولعل أبرزها إغلاق القنوات الإعلامية التي ساهمت الخارجية الأمريكية في تمويلها مثل" صوت أمريكا"، و"قناة الحرة" وغيرها من المنصات الإعلامية، وصولاً إلى الإعلان عن انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة أممية بدعوى عدم جدواها، أو نظراً لما تراه الإدارة الحالية من مخالفة هذه المنظمات لسياسات واشنطن، ومحاولتها فرض آليات حوكمة لا تتسق مع رؤيتها السياسية الراهنة." وهي مسألة يمكن تفهمها في إطار سعي الحكومات عموماً إلى إعادة ترتيب أولوياتها وما تتطلبه هذه الأولويات من مراجعات لتوائم ميزانيتها المتاحة.
على المستوى الداخلي، سعت إدارة ترامب، ومنذ الولاية الأولى، إلى تحقيق بعض أهداف برنامجه الانتخابي عبر تبني حلول صدامية، وإرساء قواعد صارمة لعل أبرزها معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة عبر تقييد الهجرة غير الشرعية وترحيل المهاجرين ممن قضوا سنوات طويلة داخل الولايات المتحدة. ولاتزال صور المهاجرين في مراكز احتجاز تفتقر لأدنى معايير الآدمية، ومشاهد عزلهم في أقفاص عن ذويهم وأطفالهم مشاهد قاسية، تظهر تغول الرأسمالية في تطبيق القواعد على حساب حقوق الانسان التي كفلتها المواثيق والمعاهدات الدولية.
أما على المستوي الخارجي، برزت رغبة الرئيس ترامب في تكريس زعامة الولايات المتحدة في النظام الدولي إلى حد كسره قواعد العمل الدولي وضوابطه. فأمام سطوة المنفعة القومية الأمريكية باتت تتعدى إدارة ترامب على سيادة الدول وحدودها الجغرافية لتأمين الثروات، تطبيقاً لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" MAGA. وفقاً لهذا النهج، يفضل ترامب استئثار الولايات المتحدة بالمكاسب وتركيزها في يد واشنطن بدلاً من توزيعها ضمن أطر تشاركية. وقد بدأ يتبلور هذا التوجه بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي في ولاية ترامب الأولى والتي هدفت واشنطن من ورائها إلى تعزيز نفوذها عبر الأطر القانونية ومنظومات التجارة متعددة الأطراف. إلا أن ترامب آثر استبدال هذه الأطر الجماعية متبادلة المنفعة بوسائل اقتصادية خشنة؛ تمثلت في فرض تعريفات جمركية على الحلفاء والخصوم على حد سواء، والتعدي على سيادة الدول لتأمين موارد نفطية، بالإضافة إلى التهديد المتكرر بالاستحواذ على جرينلاند سعياً للحصول على معادنها النادرة التي من شأنها توفير مواد خام للصناعات التكنولوجية والعسكرية المتطورة.
وفقاً لهذا النهج، قد تنجح إدارة الرئيس ترامب في توفير مقومات وموارد اقتصادية هائلة تخدم برنامجها الانتخابي على المدى القريب، لكنها على المدى البعيد، تقوض مكانة الولايات المتحدة بوصفها قوة فاعلة وضامنة للنظام الدولي. إن هذه السياسة قد تدفع حلفاء واشنطن إلى التفكير في جدوى التحالف معها مادامت هذه الروابط لا تحقق عائداً متبادلاً، كما تشكك في أهليتها لقيادة العالم الحر طالما أنها باتت ترى في القانون الدولي عقبة أمام تحقيق واشنطن لمطامحها القومية، مما يؤدي إلى سيادة منطق القوة والهيمنة على حساب أنظمة أطر العمل الجماعي وقواعده المستقرة.