في صدر كل سرادق فرح مصري، أو عند بوابة القاعة اللامعة، يجلس شخص ذو ملامح جادة، أمامه منضدة صغيرة ودفتر طويل، ومهمته قد تفوق في خطورتها مهمة المأذون الشرعي؛ إنه "الكاتب" الذي يسجل بدقة صرامة: "مين دفع كام؟". هذا المشهد الذي نمر عليه مرور الكرام، يمثل في جوهره أعقد نظام "تأمين تكافلي" عرفه المصريون، وهو ما يُعرف بـ "النقطة".
من منظور علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا الاقتصادية تحديداً، نحن نخطئ خطأً فادحاً حين نتعامل مع "النقطة" باعتبارها مجرد "هدية" أو تعبير عفوي عن المحبة. الحقيقة السوسيولوجية تقول إن النقطة هي "دين واجب السداد"؛ إنها عقد اجتماعي غير مكتوب، ولكنه ملزم بصرامة القانون، ينص ضمناً على: "أقرضك الفرح اليوم، لترده لي حزناً أو فرحاً غداً".
هذا النظام نشأ في الأصل كآلية عبقرية لـ "تفتيت التكلفة"؛ فبدلاً من أن يتحمل العريس أو أهل المتوفى أعباء المناسبة وحدهم، تقوم العائلة أو القبيلة أو أبناء الحي بتقسيم الحمل المادي فيما بينهم، ليصبح "الكل في واحد". وهنا تظهر قيمة "دفتر النقطة"؛ فهو ليس مجرد سجل محاسبي، بل هو "وثيقة تاريخية" ترصد شبكة العلاقات الاجتماعية، وتقيس حجم "رأس المال الاجتماعي" للأسرة. فمن خلال هذا الدفتر، يعرف الابن من وقف بجوار أبيه في الشدائد، ومن تخلف عن الركب، ليقوم هو بدوره في سداد تلك "الديون الاجتماعية" في المستقبل.
لكن، وكعادة الظواهر الاجتماعية حينما تصطدم بتحولات العصر، حدث "انزياح" خطير في وظيفة النقطة. تحولت من وسيلة لـ "التكافل والتراحم" إلى ساحة لـ "المباهاة والصراع الطبقي". دخلنا فيما يسميه العلماء "حلبة التنافس بالهدايا"، حيث يضطر الشخص للاستدانة أو بيع ممتلكاته ليدفع "نقطة" كبيرة تحفظ ماء وجهه الاجتماعي، أو ليقيم فرحاً يتجاوز إمكانياته المادية بمراحل، فقط ليجمع "النقطة" التي يسدد بها ديونه السابقة، فندور في حلقة مفرغة من "تدوير الديون".
تكمن المأساة الحقيقية اليوم في أن "القيمة المادية" للنقطة طغت على "قيمتها المعنوية". أصبحنا نحسبها بآلة حاسبة باردة: هل الـ 200 جنيه التي دفعها لي قريبي منذ خمس سنوات، تساوي القوة الشرائية للـ 500 جنيه التي سأدفعها له اليوم؟ فتحولت العلاقات الإنسانية الدافئة إلى عمليات "مقاصة" بنكية، وفقدنا براءة "الواجب" لصالح حسابات التضخم.
إن "النقطة" تكشف عن جانب أصيل في الشخصية المصرية: نحن شعب لا ينسى المعروف، ونقدس "رد الجميل". لكننا في أمس الحاجة لترشيد هذا الطقس، وإعادته لمساره الصحيح كأداة دعم لا كأداة ضغط. علينا أن نتوقف عن تحويل أفراحنا إلى "كمبيالات اجتماعية" مؤجلة الدفع، وأن ندرك أن الحضور والمشاركة الوجدانية أثقل في الميزان الإنساني من أي ظرف مالي، حتى لا نجد أنفسنا في النهاية محاصرين بـ "ديون الفرح" التي لا تنتهي.