من النادر أن أقرأ رسالة علمية إلى منتهاها، وربما أتوقف عند العنوان وأنصرف عنها، لا أعود إليها مرة أخرى، إلا أننى قرأت رسالتين علميتين فى الآونة الأخيرة توقفت عندهما كثيرًا، ونالتا الإعجاب منى، وهما لباحثين شابين يشتغلان بالصحافة، فكان الأسلوب سلسا وسهلا، كما أنهما أديبان صدرت لهما بعض من الأعمال الأدبية، فكتبا بروح الأديب وعمق الباحث ودقته.
الرسالة الأولى كانت للصديق الدكتور أحمد إبراهيم الشريف، وكانت بعنوان "بلاغة الخطاب فى مسرح على أحمد باكثير"، وحصلت على جائزة أفضل رسالة دكتوراه فى قسم اللغة العربية، بكلية البنات جامعة عين شمس لعام (2020 - 2021)، وصدرت فى كتاب بعنوان "أقنعة باكثير.. خطاب القيمة واستراتيجيات الإقناع"عن دائرة الثقافة بالشارقة.
أما الرسالة الثانية فهى للدكتور أحمد عبدالكريم طنطاوى، وهى بعنوان "أشكال التلقى النقدى للرواية المصرية الجديدة لجيل السبعينيات"، فحاز درجة الدكتوراه فى اللغة العربية وآدابها بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بتبادل الرسالة بين الجامعات، أوائل نوفمبر الماضى، وهى التى سنتناولها.
الرسالة كما يقول الباحث فى المقدمة مختصة برصد وتصنيف الصدى النقدى الذى أحدثته كتابات جيل من أهم أجيال الرواية المصرية الجديدة؛ ولماذا هذا الجيل تحديدا؟ لأنه الجيل الذى ورث هزيمة يونيو ١٩٦٧، وبدأ التمرد على أطر الرواية التقليدية.
الرسالة تتتبع الكتابات النقدية التى تناولت أعمال هذا الجيل، ثم تناقش هذه الكتابات وتنقدها، بمعنى أنها تدور فى حقل نقد النقد؛ لهذا جاءت فى قسمين: الأول "نقد النقد النظرى" الذى ضم المقدمة وتحرير مصطلحات العنوان، كذلك ضم فصلا عن نقد النقد، وأيضا تعرض للمناهج النقدية التى تناولت أعمال الجيل كالمناهج النفسية والبنيوية ونظرية القراءة والتلقى، أما القسم الآخر فهو النقد التطبيقى؛ حيث إنه بعد أن انتهى من عملية الرصد والتصنيف شفَّعه بالتحليل المطابق لإجراءات المنهج الوصفى، وقد مثل لهذا الجيل بثلاثة من أدبائه، هم: عبده جبير ومحمود الوردانى ورضا البهات، طبقا لأشكال النقد النسقية والسياقية، فمثَّل للأولى بالتلقى البنيوى، ومثَّل للثانية بالتلقى النفسى، وأضاف القراءة والتلقى بوصفها نظرية تند عن النسق والسياق.
ذكر الباحث أن الرسالة ارتكزت إلى نوعين من الدراسات السابقة، النوع الأول يضم الدراسات التى تعرضت للنقد الأدبى بالنقد فى ضوء زمن ومنهج يؤطران نظرتها ويضبطان إيقاعها الدراسى، ما يمنح زادا معرفيا وحسيا نقديا عبر الوقوف على هذه الممارسات نقد النقدية، ومدى انفصال أو اتصال النقد بالتراث، والنظر فى إمكانية وجود ملامح رؤية نقدية عربية شاملة، فضلا عن تتبع حدود الأزمة النقدية الحالية ورصدها. أما النوع الثانى من الدراسات السابقة لهذا البحث فهى الخاصة بموضوعها التطبيقى من حيث نقد النقد الموجه لجيل السبعينيات.
بداية علينا الوقوف عند جيل السبعينيات، فمن يكون هذا الجيل؟ يقر الباحث أن من الصعوبات التى قابلته هى تداخل جيل السبعينيات إما مع الستينيات مثل محمود الوردانى الذى نشر أولى كتاباته سنة 1969 ومع هذا يصنف ضمن الجيل، وإما مع الثمانينيات مثل نعمات بحيرى التى شقت طريقها الأدبى منتصف الثمانينيات وتصنف على أنها من جيل السبعينيات. وهذا راجع إلى الخلط الذى وقع فيه الكتَّاب الذين تناولوا أعمال تلك الفترة، لكنه استطاع أن يحدد جيل السبعينيات معتمدا على اتفاق المصادر على هذه الأسماء، وهم: إبراهيم عبدالمجيد، وإدريس على، وحسن نور، ورضا البهات، وسلوى بكر، وعبده جبير، وعبدالفتاح الجمل، وفتحى إمبامبى، ومحمد عبدالسلام العمرى، ومحمود الوردانى، وهالة البدرى، ويوسف أبو رية. وقام بالتعريف بهؤلاء الروائيين وبمنجزهم الإبداعى والدراسات النقدية التى تناولت أعمالهم.
أشار الباحث إلى أن الفضل لظهور أغلب رموز جيل السبعينيات يعود للروائى عبدالفتاح الجمل، كما ميز بين الجيل السبعينى عن الستينى وذلك على مستويى الرؤية والشكل بينهما، فالستينى كانت رؤيته محاصرة ومجزأة، وتميزت رؤية السبعينى بالوضوح والشمول، كما سعى الجيل السبعينى للخروج من أسر تجربة جيل الستينيات الروائية على مستوى الشكل؛ حيث كان همهم الأول هو إبهار القارئ والمترجم الأجنبى، وفى هذا الاتجاه وقع كثير من الروايات الغرائبية والفولكلورية والتاريخية أحيانا، كما تميزوا بمقاربة أقوى للحداثة الغربية والعالمية.
نلاحظ أن شخصية الباحث ظاهرة فى رسالته من مبدأها إلى منتهاها، متزودا بالاطلاع الواسع والقراءة العميقة والكتابة الرصينة، فلم يكن تابعا لأحد من الباحثين متى بان له الصواب ومتى عثر على ما يؤيد به رأيه، ومن ذلك أنه لم يكن مؤيدا لما ذهب إليه بعض النقاد من أن ميلاد مصطلح "نقد النقد" يرجع إلى "سامى سويدان" فى ترجمته لكتاب "تزفيتان تودورف": "نقد النقد.. رواية تعلم"؛ حيث إن هذه الترجمة تمت فى عام 1986، لكن الباحث أرجعه إلى النقاد العرب؛ حيث عثر على مقال لمحمود غنيم بعنوان "نقد النقد" منشور فى مجلة مجمع اللغة العربية، فى العدد 28 لسنة (١٩٧١)، وفيه رد على اعتراض الشاعر "على الجارم" على بيت شعر لأحمد شوقى وحافظ إبراهيم. كما عثر على دراسة للباحثة "كعية رضوان" لنموذج من نماذج النقد التطبيقى وهو كتاب لصلاح الدين الصفدى "نصرة الثائر على المثل السائر"، وهو نقد لآراء ابن الأثير فى كتابه "المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر"، كذلك عثر على مقال لنعمات أحمد فؤاد "مناقشات" بمجلة الآداب سنة 1962، وفيه ترد على نازك الملائكة بشأن قصيدة النثر.
ومن ذلك أيضا رده على الأسباب التى دفعت بعض الباحثين إلى الذهاب إلى تبعية "نقد النقد" إلى النقد الأدبى، وهى لعدم ارتقاء هذه الجهود للممارسة الواعية لماهية حقل "نقد النقد" ووظيفته وآلياته، ولم تقدم جهدا نظريا وفلسفيا مكرسا لتأصيل مفهوم "نقد النقد" أو تحديد أطره النظرية، وعدم التمييز فى هكذا جهود بين ثلاث صور لـ"نقد النقد"، الأولى: النظرية العامة لـ"نقد النقد" بوصفه فرعا معرفيا ذا خصوصية متميزة، والثانية: تتمثل فى نقد النظرية النقدية، والثالثة: تتمثل فى ممارسة ما اصطلح عليه بنقد النقد التطبيقى.
فما كان من الباحث إلا أن تصدى لمثل هذه الأسباب، ورأى أن السبب الرئيسى لهذا الغياب هو حداثة "نقد النقد"، وحاجته إلى المزيد من الدراسات والممارسات المستقلة التى ترسخ المفهوم والآليات وتحدد الأطر النظرية بما يجعله حقلا معرفيا معترفا به.
ومن ذلك أيضا أنه اختلف مع الباحث الجزائرى دربالى وهيبة عندما حاول تأكيد أن البلاغة العربية عرفت التحليل النفسى بمعناه الحديث، فقد سجل فى السطور الأولى من بحثه أن النظريات الغربية طُبعت بالجدل الناتج عن اختلاف الآراء بين المدارس فيما تأسس التأويل البلاغى العربية باتفاق، أى أنه يبدأ جهده البحثى بتسجيل نقطة تفوق لمصلحة النقد النفسى فى التراث العربى القديم. هنا، يرى الباحث أن هذا حكم مبكر لا يتموضع فى مكانه الصحيح؛ حيث يجب أن يتزيل عمله لا أن يتصدره، ما يوحى بأن الباحث الجزائرى سيطوع بحثه لنتائج مقررة سلفا. يخلص باحثنا إلى أن بحثه لم يحظ بالتوفيق لا على مستوى الانطلاقة التى كانت موجهة بنتائج مقررة سلفا، ولا على مستوى إجراءات التناول، ولا حتى مستوى السبك اللغوى الذى شابه الكثير من الأخطاء الإملائية والنحوية والصياغية.
أيضا قام الباحث فى نقد النقد التطبيقى، وهو الجانب العملى فى الرسالة، باستبعاد كتابات علاء الديب النقدية؛ لأنها مجرد كلام مرصوف لا يتبع النقد إلا فيما يبدو من بعيد، كما أنه استبعد قراءات لا تفعل أكثر من إعادة سرد المسرود، وأخرى تتناول القشرة الخارجية للعمل فى سطور شحيحة. ولن نسترسل فى إظهار شخصية الباحث فى رسالته، فهى أوضح ما يكون.
نلاحظ أن أسلوب الرسالة يخلو من الغموض والإبهام، وهذا ما يحسب للباحث؛ حيث إنه استطاع هضم المادة بشكل جيد، فجاء الأسلوب واضحا، رغم صعوبة وغموض المناهج النفسية والبنيوية ونظرية القراءة والتلقى، كما أنه يتفاعل مع الآراء، يتفق مع بعضها ويختلف مع بعضها الآخر، مشفوعا بتوضيح سبب الاتفاق أو الاختلاف.
كذلك نلاحظ الإلمام بموضوع البحث، بل إنه اتبع طريقا وسطا، فلا إفراط ولا تفريط فى العرض، فالمنهج النفسى مثلا تجده يتناول بداية اعتماد النقد الأدبى على علم النفس إلى أن يصل إلى فرويد، ثم مرحلة ما بعد فرويد، ويبين مدارس المنهج النفسى، ثم يتعرض للمنهج النفسى فى التراث العربى القديم، ويختلف مع الدراسة التى ذهبت إلى أن التراث العربى له الأسبقية فى الوصول إلى المنهج النفسى من المحدثين الغربيين، ويتحدث عن النقد النفسى المنهجى عند المحدثين العرب، ويذكر أن الاهتمام بدراسة الأدب العربى فى ضوء مناهج البحث العلمى، بدأ سنة ١٩٣٨؛ لأنها السنة التى أوكلت فيها كلية الآداب بجامعة القاهرة تدريس مادة جديدة لطلبة الدراسات العليا تتناول صلة علم النفس بالأدب، وذلك إلى كل من أحمد أمين ومحمد خلف الله أحمد، ويتناول أهم من طبق المنهج النفسى على الأدب، مثل العقاد وعز الدين إسماعيل ومصطفى ناصف وشاكر عبدالحميد. وفى النهاية يقدم نقدا للمنهج النقدى النفسى، وأبرز عيوب هذا المنهج مثل الاعتماد على التفسير الجنسى للإشارات الفنية، فهو عيب يحط من قيمة الإنسان، ويجعله محكوما بالغرائز. كل هذه المسائل يعرضها فى أسلوب شائق لا غموض فيه ولا إخلال. والأمر نفسه ينطبق على الجانب النظرى بالرسالة، وهو ما يجعلك تخرج بذخيرة من المعارف حول موضوع يعده بعض الدارسين غامضا ومبهما، مثل نقد النقد والبنيوية ونظرية القراءة والتلقى، كما أن الرسالة تزخر بالجانب التطبيقى، ولم يكتف الباحث كعادته الوقوف منها موقف المتفرج، بل ينقدها نقدا يدل على استيعابه للمناهج النقدية كما قلنا من قبل.
كل هذا يجعلنا نذهب إلى أنه بذل جهدا مضاعفا فى الرسالة، فيكفى أن تعلم أنه قد أنفق أكثر من عام فى مرحلة الجمع، زار فيها أكثر من محافظة وأكثر من أديب وأكثر من ناقد، والكثير من المكتبات العامة والخاصة، وبحث على شبكة المعلومات الدولية شهورا طويلة، لجمع محصول بلغ أكثر من مئة وأربع قراءات نقدية، كُتبت ليس فى جيل السبعينيات كله، وإنما فى ثلاثة روائيين فقط هم محل الدراسة لأكثر من سبعين ناقدا، استعان بالكتب والدراسات التى تتناول الاتجاهات النقدية الحديثة والمناهج وأعلامها ليستجلى توزيع هؤلاء النقاد على خريطة المناهج النقدية المعاصرة. وقد قام الباحث برصد وتصنيف وتحليل ست وعشرين قراءة تتبع المناهج الثلاثة، للوقوف على الكيفية التى أدى بها النقاد عملهم، ومدى التزامهم بالمعايير المستندة إلى التكتل المعرفى للنظرية التى يتبعونها، وأيضا كشف ما استهدفوه من مضامين.
بعد أن انتهى من نقد النقد التطبيقى خلص إلى عدة نتائج أبرزها ضبابية المنهج المستخدم، إضافة إلى التلفيق بين المناهج، وذلك للانشغال بالمضمون على حساب الشكل وبروز الهم السياسى والاجتماعى والسيرة الذاتية للكاتب أو تغليب السياق على النسق من هذه الأسباب. كذلك الأحكام التى لا تتصف بالنظر النقدى المتأنى، ومن ثم تبدو كما لو كانت شطحات منبتة الصلة عن أى سند. أيضا الاختلاف فى المصطلح بين النقاد المغاربة والمشارقة، وهو ما عبر عنه الباحث بمشكلات المصطلح.