تحل اليوم، ذكرى استثنائية في تاريخ الأدب العالمي؛ إذ يمر 150 عاماً بالتمام والكمال على ميلاد الروائي والصحفي والناشط الأمريكي جاك لندن (12 يناير 1876 - 1916). الرجل الذي عاش حياة أقرب إلى روايات المغامرة، ونجح في أن يكون من أوائل الكتاب في التاريخ الذين جمعوا ثروة طائلة وشهرة عالمية من وراء سن القلم، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً لا يزال ينبض بالحياة، وعلى رأسه أيقونته الخالدة "نداء البراري".
في هذا التقرير الموسع، نغوص في عالم جاك لندن، ونستعيد حكاية الرواية التي غيرت مسار أدب المغامرات، وكيف تحولت نسخة نادرة منها إلى وثيقة تاريخية باهظة الثمن.
من الفقر إلى قمة الأدب
لم يكن جاك لندن مجرد كاتب يجلس خلف مكتبه، بل كان مغامراً خاض غمار الحياة بقسوة. عُرف عنه دفاعه الشرس عن الاشتراكية، وانحيازه لتكوين النقابات وحقوق العمال، وهو انحياز نبع من نشأته الصعبة وكفاحه في مهن شاقة قبل أن يحترف الكتابة. وقد انعكست هذه الرؤية الاجتماعية والسياسية على أعماله القوية التي تناولت الصراع الطبقي والعدالة، لكن المفارقة تكمن في أن هذا "الاشتراكي" أصبح أول كاتب مليونير في زمنه بفضل رواج كتبه.
"نداء البراري".. ملحمة الغريزة والبقاء
تظل رواية "نداء البراري" (The Call of the Wild)، التي نُشرت عام 1903، هي الدرة التي تتوسط تاج أعمال لندن. الرواية ليست مجرد قصة عن حيوان، بل هي دراسة نفسية وفلسفية عميقة عن "غريزة البقاء".
تدور أحداث هذه الملحمة القصيرة حول الكلب "باك"، الشخصية المحورية التي تأسر القلوب. تبدأ القصة في وادي سانتا كلارا الدافئ بكاليفورنيا، حيث يعيش "باك" حياة منزلية مرفهة وآمنة. لكن القدر يخبئ له تحولاً درامياً حين يتم اختطافه وبيعه ليخدم ككلب زلاجات في ألاسكا المتجمدة.
هناك، في مواجهة البيئة القاسية والعمل الشاق، يبدأ "باك" رحلة تحول تدريجي؛ إذ يُجبر على التخلي عن قشرة الحضارة الرقيقة والمظهر الخادع للألفة، ليعتمد على غرائزه البدائية المكبوتة. يصور "لندن" ببراعة كيف يضطر "باك" للقتال الوحشي من أجل البقاء وفرض سيطرته على الكلاب الأخرى، حتى يكتمل تحوله في النهاية، ويستجيب لـ "نداء البرية"، ليصبح زعيماً للذئاب، متحرراً من سلطة البشر.
كواليس الرواية.. "حمى الذهب" ملهمة الإبداع
لم تأتِ تفاصيل الرواية الدقيقة من فراغ؛ فقد استمد جاك لندن مادته الخام من تجربته الشخصية الواقعية. في تسعينيات القرن التاسع عشر، ضربت حمى الذهب منطقة "كلوندايك" في يوكون بكندا، وكان لندن واحداً ممن سافروا إلى هناك بحثاً عن الثروة.
قضى لندن قرابة العام في صقيع يوكون، ورغم أنه لم يرجع بالذهب، إلا أنه عاد بكنز أثمن؛ وهو "الملاحظات والمراقبات" الدقيقة لطبيعة الحياة هناك، وسلوكيات كلاب الزلاجات التي كان الطلب عليها مرتفعاً للغاية في ذلك الوقت. هذه التجربة الحية هي التي منحت الرواية مصداقيتها المذهلة.
نُشرت القصة أولاً في صورة حلقات مسلسلة في صيف عام 1903 بصحيفة "السبت المسائية" (The Saturday Evening Post)، قبل أن تصدر في كتاب لاحقاً في نفس العام، ليحقق نجاحاً كاسحاً وشعبية هائلة جعلت من لندن اسماً مألوفاً في كل بيت أمريكي، ولتفتح الباب أمام السينما لاحقاً، حيث حُوِّلت الرواية إلى فيلم صامت عام 1923، تلاه عشرات الاقتباسات السينمائية حتى عصرنا هذا.