في لمسة وفاء تؤكد أن الثقافة هي "فن تواصل الأجيال" وليست مجرد حدث عابر، تستعد القاهرة لاستقبال الدورة السابعة والخمسين من معرضها الدولي للكتاب في يناير 2026، بروح تمزج بين استشراف المستقبل عبر شعارها العميق «من يتوقف عن القراءة ساعة.. يتأخر قرونًا»، وبين التمسك بالجذور عبر احتفاء واسع واستثنائي بالرموز الثقافية التي رحلت عن عالمنا، تاركة أثراً لا يُمحى في الوجدان العربي.
وتحمل هذه الدورة طابعاً إنسانياً خاصاً، حيث لم تكتفِ إدارة المعرض باختيار شخصية الدورة التقليدية، بل وسعت دائرة التكريم لتشمل أسماءً شكلت وعي أجيال كاملة في النشر، والنقد، والإدارة الثقافية، والسينما، لتتحول أروقة المعرض إلى ساحة لاستعادة "الأثر" لا مجرد "الرثاء".
نجيب محفوظ.. 20 عاماً من الحضور
يتصدر "أديب نوبل" نجيب محفوظ المشهد، بوصفه "شخصية المعرض"، في اختيار يتزامن مع الذكرى العشرين لرحيله. وتتجاوز هذه الخطوة الطابع الاحتفالي التقليدي لتصبح إعادة قراءة شاملة لمشروعه؛ حيث يخصص المعرض برنامجاً مكثفاً يشمل ندوات نقدية حول تحولات المجتمع في أدبه، ومعارض لطبعات رواياته الأولى وترجماتها العالمية.
ولربط "العميد" بالأجيال الجديدة، أطلق المعرض مسابقة "عالم نجيب محفوظ" لإعادة تصميم أغلفة رواياته برؤية بصرية شبابية، فضلاً عن الإعلان عن "جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية" لدعم الأصوات السردية الواعدة.
"لمسة وفاء" لرموز غادرتنا
وفي لفتة تقديرية تكرس مبدأ "الوفاء"، يخصص المعرض مساحة واسعة لتكريم قامات رحلت مؤخراً أو تركت بصمة فارقة. يأتي في مقدمتهم الدكتور محمد صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق، حيث يتم استعراض مسيرته التنويرية ودوره في الحفاظ على استقلال المؤسسة الثقافية.
كما ينتصر المعرض لـ "صناعة الكتاب" بتكريم الناشر الراحل محمد هاشم، مؤسس "دار ميريت"، واصفاً إياه بـ "الناشر المختلف" الذي كسر احتكار النشر التقليدي ودعم الأصوات المغايرة والجريئة.
ولا يغيب الخطاب الأكاديمي الرصين عن مشهد التكريم، حيث يحتفي المعرض بالدكتور محمد عبد المطلب، "العالم والإنسان"، تقديراً لإسهاماته في تجديد الخطاب النقدي وربط التراث بالمعاصرة.
مئويات "إحياء الذاكرة"
وتتوسع دائرة الاحتفاء بالراحلين لتشمل "المئويات" التي تعيد قراءة التاريخ الثقافي، حيث تشهد الدورة احتفالات بمئوية المخرج العالمي يوسف شاهين، ومئوية الكاتب المجدد إدوار الخراط، ومئوية الفنان طوغان، بالإضافة إلى مئوية كتاب "في الشعر الجاهلي" لعميد الأدب العربي طه حسين، في تأكيد على أن المعارك الفكرية الكبرى لا تموت بالتقادم.
الخلود عبر "الأعمال الكاملة"
ولأن الكتاب هو الأثر الأبقى، يترجم المعرض هذا الاحتفاء عملياً عبر مشروع نشر طموح، يعلن خلاله عن إطلاق "الأعمال الكاملة" لعدد من المفكرين الراحلين، أبرزهم الدكتور شاكر عبد الحميد، والكاتب محمد سلماوي، والدكتور صبري حافظ، والدكتور شكري عياد، إضافة إلى توثيق تراث الإسكندرية عبر كتاب "الفن إسكندراني" للراحل مصطفى نصر.
هكذا، تؤكد الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة للكتاب أن "من يرحل جسداً.. يبقى فكراً وأثراً"، وأن الوفاء للرواد هو الخطوة الأولى نحو صناعة المستقبل.