مها عبد القادر

المرأة المصرية ومسار الوعي بين الحماية والتمكين

الأحد، 11 يناير 2026 03:05 ص


تعد المرأة المصرية إحدى الركائز التاريخية الراسخة في بناء المجتمع وصياغة الهوية الوطنية، فقد كانت وما تزال حاضرة في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها مصر عبر تاريخها الطويل، فهي شريكة في صناعة الوعي، وحارسة للقيم، وفاعلة في الإنتاج والتنمية، ومكوّن أساسي في معادلة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وإذا كانت الأمم تقاس بوعيها تجاه المرأة، فإن التجربة المصرية تتجلي كنموذج ذا خصوصية حضارية وتاريخية؛ حيث امتدت مكانة المرأة في بعدها الاجتماعي و الأسري إلى المشاركة في حفظ الدولة، وصيانة الوعي الجمعي، والمساهمة في بناء المؤسسات، وتحمل كلفة المواجهة في أوقات الأزمات.


وتشكل التجربة المصرية بين مفهومي الحماية والتمكين، مسارًا مركبًا يعكس نضج الدولة وتطور وعي المجتمع، فالحماية ليست وصاية، وإنما ضمان للكرامة والحقوق والفرص، والتمكين ليس انفصالاً عن الخصوصية، وإنما تعزيز لقدرات المرأة كي تكون فاعلة في المجال العام ومؤثرة في مسار التنمية، ومن ثم لا يمكن فهم التمكين بمعزل عن الحماية، فهما يتكاملان في إطارٍ إنساني وحضاري شامل يحترم المرأة كذاتٍ مستقلة، ويثمن دورها كعنصر فاعل في بناء الوطن، وإن هذا التكامل بين الحماية والتمكين هو الذي سمح للمرأة المصرية أن تتحرك في فضاءات متعددة من العمل العام إلى الاقتصاد، ومن التعليم والثقافة إلى المواطنة والمشاركة السياسية، في سياق وطني يعتبر المرأة رصيدًا استراتيجيًا لا ينضب، وركيزة أساسية في مشروع الدولة الحديثة.


ولقد مثلت الحماية عبر التاريخ ضرورة اجتماعية وقانونية فرضتها طبيعة الأدوار، وظروف العمل، وموازين القوة داخل المجتمع، غير أن الدولة الوطنية الحديثة أعادت تعريف هذا المفهوم في إطار أكثر إنسانية وتقدّمًا، فالحماية لم تعد مرادفة لتقييد الحركة أو تعطيل الإمكانات، ولكن أصبحت ضمانًا للحقوق وحمايةً للكرامة وتأسيسًا لبيئة آمنة تتيح للمرأة أداء أدوارها الطبيعية في الحياة العامة والخاصة دون خوف أو تمييز، وقد جاء تطور التشريعات المصرية المتعلقة بالمرأة انعكاسًا لتحول فكري ومجتمعي يعترف بأن العدالة الاجتماعية لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة مشاركةً كاملة وواعية في الحقول السياسية والاقتصادية والثقافية، وبذلك أضحت الحماية في التجربة المصرية خطوة تمهد للتمكين الحقيقي، وركنًا من أركان بناء الدولة الحديثة.


ويشكل التمكين في التجربة المصرية المعاصرة مسارًا مؤسسيًا وسياسيًا وثقافيًا متكاملًا، فقد ارتبط بإرادة واضحة لدى الدولة، ووعي متنام لدى المجتمع المدني، وتطلعات فاعلة لدى النساء أنفسهن، بما جعل التمكين استحقاقًا تاريخيًا يقوم على الكفاءة والمواطنة المتساوية، ويستند إلى رؤية تعتبر المرأة شريكًا في التنمية وصيانة الوعي الوطني، ومن ثم تعددت مسارات التمكين، فكان التمكين الاقتصادي عبر دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتوفير برامج التدريب والتمويل، وفتح أسواق عمل أكثر عدالة؛ كما جاء التمكين السياسي من خلال تعزيز حضور المرأة في المجالس النيابية والتنفيذية، وتمكينها من المشاركة في صياغة القرار العام، بما يعكس تحولًا في بنية النظام السياسي تجاه تمثيل أكثر توازنًا وشمولًا.


وظلت المرأة المصرية في المجالين الاجتماعي والثقافي ركيزة أساسية في حفظ التوازن القيمي للمجتمع؛ فهي حارسة الهوية الوطنية، وناقلة الثقافة، وصانعة الوجدان الجمعي، ومن خلال الأسرة باعتبارها الخلية الأولى في بناء الدولة أسهمت المرأة في حماية المجال الأسري من التفكك، وترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية، وتعزيز جسور التواصل بين الأجيال، وتحصين المجتمع ضد أنماط العنف والتطرف والانحلال القيمي، وثقافة العمل واحترام الآخر، كما مثل حضورها في مؤسسات التعليم والرعاية والصحة والعمل الأهلي قوة دافعة حقيقية لنشر الوعي، وبناء شبكات الدعم الاجتماعي، وتعزيز مفهوم التضامن داخل النسيج المجتمعي وما يميز هذا الدور أنه ديناميكي متجدد تكيف مع تحولات العصر وتحدياته دون أن يفقد جذوره الأخلاقية والثقافية.


وقد أظهرت التجربة المصرية أن تمكين المرأة استثمارًا تنمويًا واسع الأثر، حيث تسهم مشاركة المرأة الاقتصادية في زيادة الناتج القومي، وتنويع بنية الإنتاج، ورفع كفاءة سوق العمل عبر دمج طاقات وقدرات إضافية؛ كما يسهم دورها في التعليم والثقافة في تحسين رأس المال البشري وتعزيز القدرة التنافسية للدولة على المدى البعيد فتقدم المجتمعات والتنمية المستدامة يرتبطان بمدى مشاركة المرأة في صنع القرار، وهو ما يعزز من مكانتها في التخطيط للمستقبل، وصياغة السياسات العامة، وتوجيه الموارد بكفاءة أعلى، ومن ثم يتضح أن مسار التمكين في مصر  امتدادًا للحماية ورافدًا للتنمية والتماسك الاجتماعي؛ وأن الاستثمار في المرأة هو استثمار في وعي المجتمع، واستقرار الدولة، ونمو الاقتصاد، واستدامة التنمية، وهكذا تثبت التجربة المصرية أن بناء الإنسان  ومن ضمنه المرأة  هو المدخل الأكثر فاعلية للحفاظ على الدولة وصناعة المستقبل.


وأثبتت المرأة المصرية على الصعيد الوطني، حضورًا لافتًا في لحظات الفعل التاريخي الحاسم؛ فكانت في الصفوف الأولى خلال الثورات والحركات الوطنية، تحمل وعيًا راسخًا بمفهوم الدولة، وتدافع عن الاستقرار، وترفض الفوضى باعتبارها تهديدًا للأسرة والمجتمع والأمن القومي على السواء، وقد تجلى هذا الوعي في مواقفها الداعمة للمؤسسات الوطنية، وفي مشاركتها في بناء رأي عام رافض لمحاولات تفكيك الدولة أو اختطافها، وهذا الحضور يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة العلاقة بين الأمن القومي ودور المرأة، فلا يمكن الحديث عن مجتمع قوي دون امرأة واعية وقادرة على إنتاج الوعي ونقله، ولا عن دولة مستقرة دون شراكة حقيقية بين الرجل والمرأة في حماية الكيان الوطني وصون تماسكه، وهكذا يتأكد أن وعي المرأة المصرية عنصرًا أصيلًا في بناء المعادلة الوطنية، وفي تثبيت أركان الدولة الحديثة وصيانة مقدراتها.


وبرعت المرأة المصرية في ميادين العمل العام والخاص، فكانت الطبيبة والمعلمة والقاضية والمهندسة والأكاديمية والإعلامية، تؤدي أدوارها بكفاءة ومسؤولية، وتكسر الصور النمطية التي طالما قيدت حضورها، وقد تحول هذا الحضور إلى ظاهرة اجتماعية تعكس اتساع دائرة القبول المجتمعي لدور المرأة القيادي، وتزايد الثقة في قدرتها على الإدارة وصنع القرار والمنافسة المهنية في مختلف المجالات؛ لذلك يكتسب الربط بين الحماية والتمكين دلالة خاصة في التجربة المصرية؛ فلا يمكن للتمكين أن يتحقق في بيئة غير آمنة أو محاطة بالتمييز والعنف، كما أن الحماية  بمعناها الحديث تفقد قيمتها إن لم تفتح أمام المرأة آفاق المشاركة والمبادرة والإنجاز.


إن مواجهة العنف ضد المرأة، والتصدي للتمييز، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل تمثل شروطًا بنيوية لصناعة تمكين حقيقي ومستدام، لا يقتصر على النصوص القانونية بل يتجذر في البنية الاجتماعية والثقافية، وقد قطعت مصر شوطًا مهمًا في هذا المسار من خلال سياسات وتشريعات واضحة، وبرامج توعوية وتدريبية، وتعاون مؤسسي بين أجهزة الدولة والمجتمع المدني، بما أسهم في بناء بيئة أكثر تمكينًا للمرأة، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بجدوى مشاركتها القيادية، وهكذا يتعزز مسار الوعي بين الحماية والتمكين بوصفه إطارًا استراتيجيًا لبناء إنسان قادر، ومجتمع متماسك، ودولة تنموية تستثمر في نصف طاقتها البشرية دون إقصاء أو تهميش.


ويمثل البعد الثقافي والفكري أحد العناصر الرئيسة في مسار تمكين المرأة، حيث يظل تغيير الوعي المجتمعي التحدي الأكبر، فالتمكين يترجم في نظرة المجتمع للمرأة كشريك كامل الأهلية وعنصر توازن وبناء، وهنا يتجلى دور النخب الثقافية والأكاديمية في تفكيك الخطابات التقليدية الجامدة، وإنتاج خطاب معرفي جديد يؤسس لعلاقة صحية بين الجنسين قوامها التكامل لا الصراع، فالمرأة المصرية اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فهي تمتلك من الخبرة والتراكم والوعي ما يؤهلها للانتقال من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة تعظيم الأثر، وبين حماية الحقوق وتمكين القدرات، تتشكل معادلة مستقبلية قوامها الاستثمار في الإنسان، وتعزيز العدالة، وبناء دولة حديثة تستند إلى مشاركة واعية ومسؤولة من جميع أبنائها.


ونخلص إلي أن المرأة المصرية تصبح فاعلًا رئيسيًا في صناعة التمكين، ومستفيدة من الحماية، وشريكة في صياغة المستقبل، وبين هذين البعدين تتجلى قصة وطن يدرك أن نهضته الحقيقية تبدأ حين تمنح المرأة حقها الكامل في الأمن والفرصة والمسؤولية، فتكون بحق قلب المجتمع النابض، وعقله الواعي، وضميره الحي، لتحقق التوازن بين الاستقرار والتنمية، والطموح الحضاري، فمسار المرأة المصرية هو جزء من سيرورة الوعي الوطني؛ وعي يحمي ويمكن في الوقت ذاته، ويبني نموذجًا أخلاقيًا وثقافيًا يوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الخصوصية الوطنية والتطلعات الإنسانية، وهو ما يجعل التجربة المصرية في هذا المجال تجربة قابلة للدرس، وجديرة بالتقدير، ومضيئة في زمن يحتاج إلى نماذج متوازنة تحفظ الإنسان وتنهض بالمجتمع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة