ما يجرى فى فنزويلا وإيران تأكيد لأهمية أن ترتبط عملية الاستقلال فى القرار واتباع سياسة مستقلة بجهود التنمية المستقلة، وحرص النظام على بناء سياقات اقتصادية يمكنها معالجة تأثيرات الصدام أو الحصار، والتدخلات الأمريكية فى هذه الدول لا علاقة لها بالديمقراطية أو مصالح الشعب فى كاراكاس أو طهران، وأصبح معروفا أن ملفات حقوق الإنسان يتم تسييسها، وتوظيفها فى الضغط.
نقول هذا بمناسبة الجدل القائم، والذى يتضمن اتهامات بالتسلط والديكتاتورية، لكل من النظام الإيرانى أو فنزويلا، ففى إيران يواصل النظام منذ عام 1979 ما يسمى «تصدير الثورة»، ويتدخل فى شؤون دول مختلفة ويعتدى على سيادة بعض الدول باسم تصدير الثورة أو دعم محاور المقاومة، وهى حجج اصطدمت مع سيادة دول مثل لبنان والعراق أو فقدت معناها عندما تم توظيفها بشكل متعسف تجاوز دعم المقاومة إلى تحقيق مصالح سياسية مباشرة، ومن هنا تأتى الإشارة إلى إيران باعتبارها من الدول التى تتدخل، بينما تشير إلى أياد خارجية تتدخل فى دعم أو تحريض للمظاهرات وهو ما كانت إيران تفعله طوال عقود فى لبنان وسوريا واليمن حاليا وبعض الدول الإقليمية، ويوما ما كان قاسم سليمانى يعلن هذا كنوع من استعراض القوة.
وبعد اغتيال سليمانى فى العراق، ثم ما جرى من اختراقات ومواجهات فى لبنان وحزب الله وسوريا، ثم ما جرى فى حرب غزة من ظهور دور إيرانى وراء عملية 7 أكتوبر، والتى كانت بداية لانكشاف الدور وتحقيق اختراقات استخبارية لإيران وتنفيذ اغتيالات لإسماعيل هنية ثم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وخلفائه، واغتيالات لعلماء ذرة داخل إيران وغيرها من عمليات تشير إلى اختراق الدولة وتراجع الأمان المعلوماتى.
وخلال عامىّ المواجهة فى غزة ظهر تراجع القدرات الإيرانية من جهة، ثم ظهور واضح للأزمة الاقتصادية فى إعلان الجفاف واحتمالات نقل العاصمة طهران بسبب نقص حاد فى المياه، ثم انهيار العملة وما تبعه من مظاهرات ضخمة تهاجم الفشل الاقتصادى والتضخم وتراجع قيمة الدخل، كل هذا ضاعف من الشعور بالفشل الخارجى والإقليمى، ومعه التعثر الداخلى وظهور تأثيرات النفوذ الإقليمى مع غياب التنمية وتراجعها، مع الأخذ فى الاعتبار تأثيرات الحصار الاقتصادى الأمريكى المستمر، ما ضاعف شعور الأزمة لدى أغلبية الشعب الإيرانى.
من هنا فقد تفاعلت انعكاسات تراجع النفوذ الإقليمى مع تضاعف الأزمات الاقتصادية الداخلية، والحديث عن السعى لامتلاك القوة النووية مع العجز عن مواجهة الجفاف والعطش، أزمات اقتصادية واجتماعية انتهت إلى المظاهرات التى تعكس عنفا وعمليات حرق ومواجهات وتضاعف أرقام القتلى من الطرفين المتظاهرين وأجهزة الأمن.
من هنا يمكن اكتشاف أن إيران تدفع ثمن نفوذ لم يتحقق، وعجز عن معالجة تأثيرات الحصار، أو الاتجاه إلى تنمية مستقلة وقدرة على استقلال اقتصادى ومعالجة للقضايا الداخلية، والتى يظهر تأثيرها فى الهتافات التى تؤكد أن إيران الداخل قبل الخارج.
أما فنزويلا، فإن التدخل الأمريكى لا علاقة له بأزمات اقتصادية، لكن الفشل الاقتصادى أحد عناصر الاختراقات والانقسامات، وسبق قبل ذلك أن واجهت إيران مظاهرات عامىّ 2009 وبعد ذلك 2018، وفنزويلا 2019، وبالرغم من ادعاء تشافيز ومن بعده مادورو السير تجاه التجربة الناصرية، فلم يقوموا بخلق بدائل اقتصادية مستقلة، ثم أن تجربة عبدالناصر تمت خلال الحرب الباردة، بينما غزو العراق وفنزويلا والتحريض على إيران تما فى غياب الاستقطاب وفى ظل إدارة جمهورية يمينية، جورج دبليو بوش ثم ترامب، وهو أمر يحتاج إلى صمود الداخل الذى يضاعف من تأثير التدخلات الخارجية.
الشاهد أن الاهتمام بالداخل والاقتصاد ومواجهة الحصار بسياسات مستقلة، يمهد لبناء مواجهة، والأمر لا يجب أن يقوم على شعارات أو خطابات وإنما على سياسات واضحة.

إيران وفنزويلا المواجهة والحصار