لم يكن الخلاف بيني وبين أستاذي الناقد الكبير كمال رمزي خلافًا حادًا، بقدر ما كان اختلاف نبرة بين يقينين. يقينه النقدي الذي يرى التاريخ بوصفه مادة خام قابلة لإعادة الاكتشاف، ويقيني أنا الذي ينطلق من سؤال الجمهور: من يتذكر؟ ومن سيهتم؟
بعد مشاهدتنا للمسرحية الموسيقية "دايبين في صوت الست" تأليف وإنتاج د. مدحت العدل وإخراج أحمد فؤاد، توقفنا طويلًا عند لوحة منيرة المهدية. قال كمال رمزي بهدوء الواثق: "منيرة تستحق عملًا كاملًا… وسينجح كما نجح عرض أم كلثوم".
اعترضت، لا لأنني أقلل من شأن منيرة المهدية، بل لأنني كنت أفكر بعين الواقع الراهن. قلت له: أم كلثوم حالة متفردة، ليست مجرد صوت أو تاريخ، بل ذاكرة جمعية متوارثة. اسمها يعيش في البيوت، في السيارات، في الوجدان اليومي. أما منيرة المهدية، فهي — للأسف — خارج وعي الأجيال الجديدة. عمل كامل عنها قد يكون جميلًا، لكنه لن يحقق الصدى ذاته.
كنت أتكلم بمنطق السوق التجاري، وهو منطق قاسٍ، لكنه حاضر.
وكان كمال رمزي يتكلم بمنطق التاريخ، وهو أكثر رحمة… وأكثر صبرًا.
اللوحة التي قدمتها المسرحية عن منيرة المهدية لم تكن سيرة، بل كانت لحظة. لم نرَ النجمة في أوجها، بل رأينا أثرها. رأينا امرأة كانت يومًا مركز الضوء، ثم أصبحت على هامشه.
اختيار هذا التقديم ذكي ومؤلم في آن. منيرة لم تظهر بوصفها أيقونة مكتملة، بل كصوت يتردد في الفراغ، كذكرى لا تزال تحاول إثبات شرعيتها. الأداء لم يعتمد على الاستعراض، بل على الإحساس بالفقد: فقد المسرح لها، وفقدها للمسرح.
الصوت هنا ليس أداة طرب، بل شاهدًا على زمن لم يعد موجودًا. الجسد يحمل ثقل المجد السابق، لا خفته. كأن المسرحية تقول لنا: النجومية ليست ما نراه في الصور، بل ما نخسره حين تنطفئ.
لم تكن لوحة "منيرة المهدية" مجرد استعراض تاريخي، بل كانت مرثية للجمال والنجومية والحضور الأخاذ. ظهرت السلطانة لا كفنانة تنافس، بل ككيان يحاول استيعاب فكرة "الغروب". لقد برع العرض في تصوير تلك اللحظة الحرجة التي يدرك فيها النجم أن البساط قد سُحب، وأن العرش الذي شيده بالآهات والألحان، بات يسكنه غيره.
لقد جسد المشهد تراجيديا "التسليم"؛ كيف لمنيرة التي كانت تأمر القاهرة فتطاع، أن تقف في ظل "الست" الصاعد بقوة كأنه زلزال. هذا التباين البصري والحسي الذي قدمته المسرحية في مشهد منيرة، يفتح باباً لتحليل نفسي عميق لظاهرة "خفوت النجومية". إن أصعب ما يواجهه الفنان ليس الفشل، بل "النسيان" وهو على قيد الحياة.
تعيش النجمة في ذروتها حالة من التماهي مع تصفيق الجمهور، حتى يصبح التصفيق هو نبضها. حين ينخفض الضجيج، تشعر الفنانة بـ "عري نفسي" قاتل، كأنها تفقد جلدها.
في هذه اللوحة الفنية، لم تكن المشكلة في أم كلثوم كشخص، بل في الزمن. إنها طعنة الزمن الذي لا ينتظر أحداً، حيث يتحول البريق العالي إلى رماد بارد في لحظة تبدّل حتمية.
تقدم اللوحةصراع البقاء الأخير وتحلل تلك المحاولة اليائسة والأنيقة في آن واحد لـ "استبقاء النور". منيرة المهدية هنا ليست مجرد مطربة، بل هي رمز لكل من ذاق طعم القمة ثم اضطر لمصافحة القاع برأس مرفوعة وانكسار نفسي.
كنت أرى، وما زلت جزئيًا، أن المقارنة بين منيرة وأم كلثوم ظالمة للطرفين. أم كلثوم لم تكن فقط مطربة عظيمة، بل مشروع دولة، وميراثًا إعلاميًا مستمرًا، وأرشيفًا محفوظًا ومُعاد تقديمه.
أما منيرة المهدية، فهي ضحية عصرها. سبقت زمن التوثيق، كانت امرأة في مجتمع لم يكن مستعدًا لحفظ ذاكرة النساء كما يحفظ ذاكرة الرجال. لم يكن لديها إعلام يحمي صورتها بعد الأفول، ولا خطاب ثقافي يعيد تقديمها للأجيال التالية.
لكن ما لم أكن أراه، واعترف بذلك الآن، هو أن الجهل بشخصية ما لا يعني عدم قابليتها للحياة، بل ربما يعني حاجتها الأشد إلى إعادة الحكي.
بعد مشاهدتي العرض، كتبت عن هذه اللوحة، وعن منيرة المهدية. لم أكن أتوقع ردود الفعل. فجأة، وجدت أسئلة حقيقية: "مين منيرة المهدية؟.. ليه محدش يعرفها؟.
ليه حسّينا بالحزن ده؟".. هذا غير ردود فعل صادفتني على "السوشيال ميديا" لاحقاً، حيث رأيت بذهول كيف احتفى الشباب بمنيرة المهدية، كأنهم اكتشفوا كنزاً مدفوناً. اليوم، وأنا أقرأ تدوينات الشباب عن "سلطانة الطرب" وحماسهم نحو محركات البحث عنها لالتقاط أي معلومة، أدركت أن الفن العظيم لا يحتاج إلى "بطاقة تعارف" مسبقة، بل يحتاج إلى "صدق" في التناول. هنا فقط بدأت أراجع موقفي. ربما النجاح لا يأتي دائمًا من المعرفة المسبقة، بل من الصدمة العاطفية. منيرة، كما قُدمت في مسرحية " دايبين في صوت الست:، لم تُفرض علينا بوصفها نجمة، بل عُرضت علينا بوصفها إنسانة خسرت الضوء.
وهذا ما ينجح دائمًا.
حين لا ينطفئ الضوء بل ينسحب من الداخل.. النجومية لا تختفي دفعة واحدة، بل تنسحب ببطء، وهذا ما يجعلها أكثر قسوة. الفنان لا يستيقظ يومًا ليجد نفسه منسيًا، بل يمر بسلسلة خيبات صغيرة: دور لم يُعرض، هاتف لم يرن، اسم لم يُذكر، صورة لم تُستدعَ. ومع كل غياب صغير، يتآكل الإحساس بالقيمة.
نفسيًا، النجومية ليست مجرد تقدير خارجي، بل بناء داخلي للذات. الفنان، دون أن يشعر، يعيد تشكيل هويته حول نظرة الآخرين له. يصبح مرئيًا لأنه يُرى، ومسموعًا لأنه يُسمع. وحين يتوقف هذا الاعتراف، لا يتوقف التصفيق فقط، بل يتصدع تعريف الذات نفسه.
الألم الحقيقي لا يأتي من الفقد، بل من المقارنة. من رؤية من جاء بعدك يقف في مكانك القديم، يستخدم أدواتك، ويجني ثمار تعبك، بينما يُطلب منك،بصمت، أن تخرج من الكادر. هنا تتولد مشاعر متناقضة: الغيرة الممزوجة بالحنين، والحنين المشوب بالغضب، والغضب الذي لا يجد هدفًا واضحًا فيتحول إلى حزن مزمن.
في حالات كثيرة، لا يشتاق الفنان إلى المجد بقدر ما يشتاق إلى المعنى. إلى الشعور بأنه ضروري، بأنه يُحدث فرقًا، بأن وجوده لم يكن مرحلة عابرة. منيرة المهدية، كما لمح مدحت العدل في مسرحيته، لا تبدو امرأة تطلب الأضواء، بل إنسانة تحاول أن تقنع نفسها بأن ما عاشته كان حقيقيًا، وليس وهمًا جميلًا انتهى.
الخفوت هنا ليس سقوطًا، بل حالة نفسية من التيه بين ماضٍ لا يعود، وحاضر لا يعترف، ومستقبل لا يعد بشيء. هذا ما يجعل قصتها مؤلمة ومعاصرة في آن واحد، لأننا نعيش زمن النجومية السريعة، التي تصنع الأصنام ثم تنساها بلا وداع.
من هذه الزاوية، تتحول منيرة المهدية من رمز تاريخي إلى مرآة نفسية. ليست حكاية مطربة قديمة، بل نموذج إنساني عن ثمن الضوء، عن السؤال الذي يبقى بعد انطفائه: من نكون… حين لا ينادينا أحد؟... لم أغيّر رأيي لأن منيرة أصبحت فجأة محط أنظار وتساؤل بسبب لوحة في مسرحية أم كلثوم.
غيّرته لأنني أدركت أن السؤال لا يجب أن يكون: هل ستنجح قصتها لو تم تقديمها في عمل فني؟
بل: هل تستحق هذه القصة أن تُروى؟
أحيانًا، حين تُروى القصة بصدق، يخلق النجاح نفسه.
ربما كان "الأستاذ " كمال رمزي يرى أبعد مني. وربما كنت أنا أرى أقرب. لكن المسرح، كعادته، جمع الرؤيتين في مشهد واحد، وأجبرني على إعادة التفكير، وهو أجمل ما يمكن أن يفعله الفن.