خلال العقود الماضية، ظلت أمراض القلب تتربع على قمة أسباب الوفاة حول العالم، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف خيوطًا دقيقة جديدة تقود إلى فهم أعمق لعوامل الخطر التي لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي من قبل. أحد هذه العوامل هو البروتين الدهني (أ)، وهو جزيء معقد يشبه الكوليسترول الضار في تركيبه، لكنه يتميز بخاصية تجعل ارتفاع مستواه في الدم خطرًا خفيًا يتراكم ببطء حتى يتحول إلى تهديد حقيقي للقلب والشرايين.
وفقًا لتقرير نشره موقع ميدسكيب ميديكال نيوز، أوضحت دراسة طويلة الأمد امتدت قرابة ثلاثين عامًا أن النساء اللاتي ترتفع لديهن مستويات البروتين الدهني (أ) أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما في ذلك الجلطات والسكتات الدماغية والوفيات القلبية، مقارنةً بمن لديهن مستويات طبيعية.
ما هو البروتين الدهني (أ) ولماذا يُعد خطيرًا؟
يُصنَّف البروتين الدهني (أ)، أو Lp(a)، ضمن مجموعة البروتينات الحاملة للدهون التي تنقل الكوليسترول في الدم. لكن الفارق الأساسي بينه وبين الكوليسترول منخفض الكثافة (LDL) هو أن مستوياته تعتمد إلى حد كبير على العوامل الوراثية، أي أن نمط الحياة وحده لا يكفي لتغييره.
وارتفاع هذا البروتين يؤدي إلى تراكم الدهون داخل جدران الشرايين، مما يسبب ضيقها بمرور الوقت، وبالتالي يرفع احتمالات الإصابة بتصلب الشرايين وأمراض القلب التاجية.
تفاصيل الدراسة وأهم ما توصلت إليه
أُجريت الدراسة ضمن إطار "دراسة صحة المرأة" التي شملت نحو 28 ألف امرأة خضعن للمتابعة منذ أوائل التسعينيات وحتى الوقت الحالي، وكن يتمتعن بصحة جيدة عند بداية الدراسة.
تم تحليل عينات الدم لتحديد مستويات البروتين الدهني (أ)، ثم تمت متابعة حالات الإصابة بأمراض القلب المختلفة على مدى ما يقارب ثلاثة عقود.
النتائج كشفت أن النساء اللواتي تجاوزت مستويات البروتين الدهني (أ) لديهن 120 ملغم/ديسيلتر، كن أكثر عرضة بنسبة تتراوح بين 50% و100% للإصابة بمضاعفات قلبية خطيرة، مقارنة بالنساء ذوات المستويات المنخفضة.
أما النساء اللواتي تراوحت مستوياتهن بين 30 و120 ملغم/ديسيلتر، فقد لم تُظهر النتائج زيادة واضحة في الخطر، مما يشير إلى وجود حدٍّ حرج يبدأ عند تجاوزه تأثير هذا البروتين في الظهور بوضوح.
العلاقة بين البروتين الدهني (أ) وأمراض القلب المختلفة
لاحظ الباحثون أن ارتفاع البروتين لم يكن مقصورًا على نوع واحد من أمراض القلب، بل شمل عدة صور من الاضطرابات القلبية، مثل احتشاء عضلة القلب، والسكتة الدماغية الإقفارية، والوفاة القلبية المفاجئة.
وقد أشار الدكتور آسك تي. نوردستجارد، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن النتائج فاقت توقعاته من حيث قوة العلاقة بين ارتفاع البروتين وحدوث هذه المشكلات الخطيرة، مؤكدًا أن "المستويات العالية جدًا من Lp(a) يمكن أن تكون بمثابة جرس إنذار مبكر للنساء المعرضات للخطر".
هل يجب أن يخضع الجميع للفحص؟
ورغم قوة النتائج، فإن الباحثين حذروا من تعميم الفحص على جميع السكان، مؤكدين أن فحص البروتين الدهني (أ) بشكل روتيني قد لا يغيّر التقييم العام لمخاطر القلب عند معظم الناس، نظرًا لأن نسبة صغيرة فقط تمتلك مستويات مرتفعة جدًا تشكل خطرًا فعليًا.
لكن الفحص يصبح مهمًا في حالات معينة، مثل وجود تاريخ عائلي قوي لأمراض القلب في سن مبكرة، أو عند النساء اللواتي يعانين من ارتفاع الكوليسترول رغم أسلوب حياة صحي وأدوية منتظمة، إذ قد يكون البروتين (أ) هو العامل الخفي وراء استمرار المشكلة.
آراء الخبراء وأهمية الاكتشاف المبكر
الدكتور ستيفن نيسن، أستاذ أمراض القلب ، علّق على النتائج مؤكدًا أنها "تعيد تسليط الضوء على عامل خطر قديم لم يكن يُعطى حقه من الدراسة، وأن الوقت قد حان لإدراجه ضمن تقييمات المخاطر الدورية، خاصة لدى النساء الأصغر سنًا".
وأضاف أن هذا البروتين يمكن أن يفسر جزءًا من الفجوة بين النساء والرجال في نسب الإصابة بأمراض القلب، إذ تميل النساء إلى امتلاك مستويات أعلى نسبيًا دون أن تظهر عليهن الأعراض إلا بعد فترات طويلة.
مستقبل العلاج والتدخل الوقائي
حتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة لخفض البروتين الدهني (أ) تحديدًا، لكن الأبحاث تتجه نحو تطوير علاجات تستهدفه مباشرة، عبر العلاج الجيني أو تقنيات خفض تصنيع البروتين في الكبد.
أما حاليًا، فيوصي الخبراء بالتحكم الصارم في عوامل الخطر الأخرى مثل ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول الضار، والوزن الزائد، والامتناع التام عن التدخين، إذ يسهم ذلك في تقليل الأضرار التراكمية التي يسببها ارتفاع البروتين (أ).