محمد أيمن

بين الفوضى المُدارة وتغيير الأنظمة: قراءة جيوسياسية في هندسة الاضطراب وصراع القوى الكبرى

السبت، 10 يناير 2026 11:30 ص


لم تكن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2011 نتاج عامل واحد أو لحظة انفجار عابرة، بل جاءت نتيجة تفاعل مركّب بين أزمات داخلية مزمنة وتدخلات خارجية أحسنت استثمار هذا الاختلال البنيوي. فالتفسير العلمي لا يسمح باعتبار تلك الأحداث ثورات عفوية خالصة، كما لا يختزلها في سردية المؤامرة الجاهزة، وإنما يضعها في إطار تفاعلي يجمع بين هشاشة الداخل وحسابات الخارج.

على المستوى الداخلي، ساهمت أنماط الحكم الجامدة، وتآكل الشرعية السياسية، وتراجع العدالة الاجتماعية، في خلق حالة من الاحتقان المجتمعي المستمر. هذه البيئة المأزومة وفّرت القابلية للاشتعال، لكنها لم تكن كافية وحدها لإنتاج موجة اضطرابات متزامنة وعابرة للحدود. هنا برز العامل الخارجي بوصفه محفزًا استراتيجيًا، لا صانعًا مباشرًا للأحداث، من خلال تسريع الإيقاع، وتوجيه المسارات، وترك الأزمات تتفاقم دون احتواء، في إطار إدارة محسوبة للفوضى.

هذا النمط له جذور واضحة في التجربة الدولية المعاصرة، وتحديدًا في ما عُرف بـ«الثورات الملوّنة» في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي. ففي جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان، استُخدم الحراك الشعبي كأداة في صراع نفوذ جيوسياسي أوسع، جرى تغليفه بخطاب ديمقراطي، بينما كان جوهره إعادة تموضع استراتيجي في مواجهة روسيا. لم يكن الهدف إسقاط الأنظمة بقدر ما كان إعادة تشكيل توجهاتها واصطفافاتها.

في السياق ذاته، برز مفهوم «الفوضى الخلّاقة» بوصفه إطارًا نظريًا أكثر شمولًا، خاصة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي مطلع الألفية. الفكرة الأساسية تقوم على تفكيك البنى الصلبة للدول، على أمل أن يُنتج ذلك نظامًا سياسيًا جديدًا أكثر توافقًا مع مصالح القوى الكبرى. غير أن التطبيق العملي كشف عن نتائج عكسية: دول منهكة، جيوش وطنية ضعيفة، فراغات أمنية، وصعود فواعل مسلحة عابرة للحدود، دون تحقيق استقرار مستدام.

الجامع بين هذه النماذج هو آلية واحدة بأدوات متعددة: ضغط داخلي يتغذى على أزمات حقيقية، مدعوم خارجيًا بهدف رفع كلفة بقاء النظام، ودفعه إما للانهيار أو لإعادة التشكل وفق معادلات جديدة. هذا المنطق لا يزال حاضرًا اليوم في حالات مثل فنزويلا وإيران، وإن اختلفت السياقات والوسائل.

في فنزويلا، لا يمكن فصل الصراع السياسي عن معادلات الطاقة العالمية. فالعقوبات الاقتصادية، ومحاولات شرعنة قيادات بديلة، والضغوط العسكرية غير المباشرة، تندرج ضمن مسعى أوسع للسيطرة على أحد أهم احتياطيات النفط الثقيل في العالم. الأهمية هنا لا تكمن في المورد ذاته فقط، بل في دوره ضمن أمن الطاقة الصيني. فالصراع الفنزويلي يمثل حلقة في تنافس أمريكي–صيني ممتد، يهدف إلى كبح تمدد بكين في ما تعتبره واشنطن مجالها الحيوي التقليدي.

أما الحالة الإيرانية، فتُدار وفق مقاربة أكثر حذرًا وتعقيدًا. فواشنطن لا تسعى إلى انهيار فوضوي شامل، بل إلى تفكيك تدريجي لقدرات محددة، عبر مزيج من العقوبات القصوى، والضغط الإقليمي، واستثمار التناقضات الداخلية. الهدف المركزي هو تحييد عناصر القوة الاستراتيجية، خصوصًا القدرات الصاروخية، ومنع انتقال المعرفة العسكرية، مع تجنب انفجار إقليمي واسع قد تكون كلفته أعلى من مكاسبه.

هذه السياسات تعكس تطور طبيعة الصراع الدولي. فحروب الجيلين الرابع والخامس باتت تركز على الوعي والإدراك، وتستخدم الإعلام، والفضاء السيبراني، والاقتصاد كساحات اشتباك رئيسية. وتتكامل مع ذلك أدوات مثل الحرب بالوكالة، واستراتيجيات حافة الهاوية، والقوة الناعمة، وتفكيك الخصوم من الداخل بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

ضمن هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى التوترات في البحر الأحمر، وباب المندب، وشرق المتوسط، أو حتى أمريكا اللاتينية، باعتبارها ملفات منفصلة. إنها أجزاء من لوحة جيوسياسية واحدة، يكون فيها التحكم في الممرات الاستراتيجية والطاقة عنصرًا حاسمًا في موازين القوة.
التاريخ يؤكد أن الدول التي تمتلك وعيًا استراتيجيًا ومؤسسات قادرة على التكيف، تستطيع امتصاص الصدمات وتحويل الجغرافيا إلى مصدر قوة.

مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي بعقيدة تميل إلى الهيمنة الصلبة، يدخل النظام الدولي مرحلة إعادة تشكّل قسرية، تتراجع فيها الاعتبارات القانونية لصالح منطق القوة وإدارة المصالح. عام 2026 يلوح كنقطة ذروة في مسار تصادمي بين القوى الكبرى، تتداخل فيه ملفات الطاقة، والنفوذ، وإعادة رسم خرائط التأثير.

في هذا المشهد، تبرز التحركات في القرن الإفريقي، خاصة في محيط «أرض الصومال»، كجزء من إعادة ترتيب توازنات تمس الأمن القومي المصري. الحضور الإسرائيلي في هذه الساحة ليس حدثًا عابرًا، بل امتداد لصراع جيوسياسي يستهدف تطويق المجال الحيوي والتحكم في الممرات البحرية الحساسة. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن الدولة المصرية تمتلك من أدوات الردع والتقدير الاستراتيجي ما يمكّنها من التعامل مع هذه التحديات بهدوء وحسم.

في عالم تتآكل فيه القواعد، ويُدار بمنطق موازين القوى لا موازين الحقوق، يصبح الرهان الحقيقي على التماسك الداخلي والمرونة المؤسسية. فالفوضى، مهما بدت خارجية المصدر، لا تجد طريقها إلا في بنية داخلية منهكة. أما الدول التي تحسن قراءة المشهد وتدير توازناتها بوعي، فغالبًا ما تخرج من العواصف أكثر صلابة وقدرة على الفعل، في نظام دولي يتجه بثبات نحو صدام القوى الكبرى، لكن بأدوات وأساليب تتجاوز الحروب الكلاسيكية.

في المحصلة، تظل مصر حالة استثنائية في قدرتها على العبور وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. خلال سنوات قليلة، نجحت الدولة في تجاوز حواجز وأزمات مركبة، اقتصادية وأمنية وسياسية، لم تصمد أمامها دول كبرى. هذا العبور لم يكن صدفة، بل نتاج تراكم خبرات تاريخية، وقراءة دقيقة لموازين القوى، وإدارة واعية للأزمات دون اندفاع أو تفريط.

كما يتجسد الثقل الحقيقي للدولة المصرية في قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل حين تشتد الضغوط. فقد وقفت القاهرة بوضوح وقالت «لا» للولايات المتحدة وإسرائيل في ملفات إقليمية حساسة، أبرزها رفض التهجير الفلسطينيين، ورفضت الانخراط في مخططات تفتيت الأوطان أو تقسيمها أو إعادة توزيع ثرواتها خارج إرادة شعوبها.

هذا الموقف لم يكن محل مساومة، ولم يخضع لإغراءات أو حسابات قصيرة المدى، إدراكًا بأن السيادة لا تُشترى مهما كان الثمن.

وتحافظ مصر على هذا النهج انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمنها القومي خط أحمر لا يقبل المهادنة. صلابة الموقف المصري ليست تعنتًا تقليدياً، بل تعبير عن وعي استراتيجي يدرك كلفة التراجع، ويؤمن بأن الدفاع عن المصالح الوطنية يتطلب وضوحًا وحسمًا، وقدرة دائمة على الردع، في لحظة إقليمية لا تحترم سوى من يمتلك القوة والإرادة معًا.

تعتمد مصر في ذلك على ركائز صلبة: جيش وطني محترف، ومؤسسات دولة مدركة لطبيعة الصراع، وجهاز مخابرات عامة يمتلك خبرات عميقة وقدرة عالية على التعامل مع التعقيدات، إلى جانب شعب واعٍ ومتماسك.

ضمن هذا الإطار، تتحرك القاهرة وفق استراتيجية وطنية واضحة، تدعم الدولة الوطنية ووحدة الأراضي العربية، وتدير مصالحها ببراغماتية محسوبة، واضعة أمنها القومي فوق أي اعتبارات أخرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة