عاطف محمد عبد المجيد يكتب: من الصواب أن نعيد التفكير في "الحب"!

الإثنين، 28 يوليو 2025 09:00 م
عاطف محمد عبد المجيد يكتب: من الصواب أن نعيد التفكير في "الحب"! غلاف كتاب الجغرافيا المقلوبة

آمل أن يكون هذا الكتاب شجرة وارفة، أو عين ماء، في واحة ما مستقبلية في قلب تلك الصحراء التي لا ترحم، التي تساوي بين الحقيقي والزائف بشكل عدمي مأساوي، فالمأساوية هي الحس الخفي الذي نشعر به خلف تلك النصوص والمقالات.

هذا ما يكتبه مينا ناجي في مقدمته للكتاب الذي قام بتحريره للراحل مهاب نصر وسماه "الجغرافيا المقلوبة.. عن الحداثة المصرية ومآزقها"، الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة بالقاهرة، ذاكرًا أنه رغم رحيل مهاب لكنه على يقين أن كتاباته باقية، لأنها تبلغ من العمق درجة تجعلها ضوءًا مرشدًا أو كاشفًا، لمفكر أو باحث جاد يأتي في المستقبل، محاولًا تجاوز الأفكار المستهلكة والمعلَّبة والمُغرضة والسطحية في النظر إلى ثقافتنا المصرية والعربية، وذلك عبر عدسة الأفكار في هذه المقالات والنصوص المختلفة، وأن مهاب نصر يتتبع، في عمق بصيرة، وضع المرأة ورمزيتها في مجتمعاتنا، بصفتها السلطة النهائية، والرمز الكلي الذي يعيّن الأدوار ويطرح خصوصيته كأمر لا يُمس، لأنه جوهر "الهوية – البيت"، في وضع تاريخي يجعل من مسألة الهوية أزمة ومركزًا، مشيرًا إلى أن نصر يرى تشابهًا بين سلطة الحب والسلطة السياسية الوطنية في جانب التطابق مع الذات، الذي يفتقر إلى تاريخ يؤسسه، دون أن يتجاهل أن نصر لاحظ أن الكتابة عن المدينة كانت في مجملها ذات طبيعة أدبية، مما يجعلها كلية وليست إشكالية. 

أما مهاب نفسه فيخبرنا أن ديزمونت ستيوارت قد رصد في كتيبه الصغير شبه السياحي "القاهرة" وجهَ القاهرة ومباهجها، وكأنه يسطع فوق لوحة متربة، فهي في المقام الأول بالنسبة إليه مدينة صحراوية، رغم أن الحس الصحراوي الذي يغلف موقعها سرعان ما يتم تناسيه في عمق مدينة تعيش الصخب والزحام اليومي، مشتبكة مع كل مظاهر الحداثة، وجموعها منشغلة بالحاضر واللحظة، باعتبارها عاصمة تصنع الحدث و "الآن" على مستوى وطن كامل.       

الجغرافيا المقلوبة
الجغرافيا المقلوبة

 

مجرد استعارات


ومتحدثًا عن أعمال نجيب محفوظ وعلاقتها بالقاهرة، يعتقد نصر أن نجيب محفوظ، لسبب ما، لم يكن كاتبًا قاهريًّا فحسب، أو "كاتب القاهرة"، لكنه إمعانًا في التخصص ظل طويلًا كاتب الجانب الشرقي منها، فمعظم أعماله الروائية والقصصية يدور في هذا الركن بالذات من العاصمة، المحتشد بالتاريخ والملوث بطعم الرمال، ذاكرًا أن محفوظ قد يلجأ إلى حدود المقطم، أو يهبط إلى حلوان، أو يصعد باتجاه الدرّاسة، أو يشرّق باتجاه صحراء العباسية، لكن تبقى حدود الحدث الروائي غالبًا، قديمه وحديثه، بين أحياء هذا الضلع المكتنز، إذ تقع فيه رواياته الواقعية المختومة بالثلاثية، باستثناء القاهرة الجديدة، وهنا أيضًا تدور حكايات الحرافيش، اللص والكلاب، الطريق، حضرة المحترم، أفراح القبة، عصر الحب، قشتمر، الباقي من الزمن ساعة، وغيرها، مشيرًا إلى أن الصحراء في أعمال نجيب محفوظ تتحول إلى قرين، محتفظة، في خبث روائي، بكل إرثها الواقعي التاريخي، أو بمعنى أدق، موهِمة بوجودها الفيزيقي كإشارة إلى مكان حقيقي، وهي تظل كذلك بالطبع.

كذلك يرى نصر هنا أن كثيرًا من أعمال محفوظ تختار أماكن محاصرة ومتأرجحة في عزلتها المؤقتة والمهددة دائمًا، وهي لا تمثل مجرد ديكور اجتماعي، كما لا تمثل مجازًا عن واقع اجتماعي أو طبقة، بقدر ما هي استعارة سياسية ووجودية، حيث الأبطال هم أيضًا مجرد استعارات، لا يمكن تجاوزها، لأنها تشبه سجنًا غير مرئي، مسرحًا حقيقيًّا، وآخر من يعرف ذلك ممثلوه، مشيرًا إلى أن المكان الروائي عند محفوظ يتحول إلى ما يشبه المشهد الثابت السكوني، بكل ما يحويه من ثقل تاريخي وعزلة، وهي عزلة ترتفع عن مستوى الجغرافيا الطبيعية إلى القدَر السياسي، ومن القدر السياسي إلى إشكال متضخم للهوية، حيث يصبح الوطن شخصًا اعتباريًّا يقف على خشبة مسرح، أو هو خشبة مسرح ذاتها التي يتناوب عليها الأبطال التراجيديين، منسحبين عند انتهاء أدوارهم إلى الظلال والمقاعد الصامتة، لافتًا النظر إلى أن قاهرة محفوظ رغم أنها ظلت أضيق من عاصمة حديثة، تتركز فيها صراعات حية تصل مجتمعها بمجتمع عالمي، حيث بدت مجرد سجن يفرض أشكالًا من الأوضاع المأساوية على الأفراد ويضفي الغموض على مصائرهم، إلا إنها كانت تتسع في إطار بطولة مسرحية متنمرة لتصبح أمثولة. مثلما يقول الكاتب إن التجريد النظري سمح للحداثة باللعب عليها كرمز، باستخدامها كأداة ترويج أو ترويع، تخفي المصالح الحقيقية المتداخلة، وتعيد الفرز الاجتماعي على أساس غير واقعي. بل وتحول النقاش السياسي إلى نقاش زائف ومتوتر وعلى شفا الانهيار، ما يسمح بأن تكون السلطة أو القبض عليها، أي العنف، هو الآلية الحقيقية المتبقية. القوة كانت تعني العجز عن الحوار وفساد بيئته فسادًا يصعب إصلاحه، ومشكلة الحوار هذه هي إحدى المشكلات المركزية في سرد محفوظ، مشيرًا إلى أنه من المحير أن التاريخ الحديث للجماعة الوطنية هو في الوقت نفسه تاريخ استعارات، ومن ثم فإن فحصنا للاستعارة ليس من باب الاستئناس والمقاربة الأدبية، بل بالإفادة من الدلالات التي منحها التحليل النفسي لأشكال المجاز التي يعبّر مأزق تكرارها عن تعطل التاريخ.

الجميل والمستحيل


مما يتوقف عنده نصر هنا أنه من الصواب أن نعيد التفكير في "الحب" نفسه، متسائلًا ماذا نعني بهذه الكلمة؟ الشعور أم العلاقة؟ لأنهما عند التدقيق ليسا الأمر نفسه أبدًا، لكنهما ليسا ضدين أو مفهومين لا يبالي أحدهما بالآخر، يرى هنا أننا لا نعرف، أحيانًا، ما إذا كنا نحب الشخص نفسه، أم مسرح "انتصار الحب" الذي نتلقى فوق خشبته الثناء الجماعي على قصة ناجحة، مؤكدًا أن القيم الرمزية في مجتمعاتنا بمثابة نظرية في الفن، حيث الرمزي هو الجميل والمستحيل معًا، وهكذا تسهل خيانته، حيث الجمال هو موطن القوة وكعب أخيل في الوقت نفسه، ولذلك، يقول الكاتب، فإن التجارب الأشد إثارة لهذا المجتمع هي التجارب الفاشلة، أي تلك التي تعيد إنتاج الازدواج نفسه بين الواقع الخالص وبين "الحقيقة" باعتبارها جمالًا، مشيرًا إلى أن الواقع يعمل لدينا كما لو كان ماكينة بلا صانع، قوة غُفْل تؤكد ذاتها من خلال الممارسة والتكرار، وتصيب بالرعب أي شخص يفكر في موقع خارجها. الكاتب الذي يرى أننا لا نواجه اليوم "العنف"، بل التفاهة التي هي بذرة العنف، ومن مصلحتها أن تجعل العنف "أصلًا" لتتدخل هي على هيئة قانون حضاري أو "حضارة قانونية"، كفقاعة توشك أن تنفجر، يشير إلى أنه إذا كان ثمة فضيحة الآن، فهي فضيحة لا تتعلق بالسياسة ولا بالاجتماع، بل بالفن، وذلك بالتحديد في الوقت الذي يصبح فيه المجتمع الإنساني كله فنانًا بطريقة ما، متسائلًا ألم يكن ذلك مبلغ أمل الفنان الديموقراطي على أية حال؟ ذاكرًا أنه إذا كان ما يجب أن تقوم به الكتابة الآن لقراءة حياتنا، هو شيء على غرار الأدب، فهذا لا يعني الصنعة الأدبية ولا الخضوع للنوع الأدبي، بل إدراك أننا نسرد، حتى لو بدا الكلام نظريًّا. 

 مهاب نصر الذي يتساءل أين يقع الحب، يكتب هنا عن أم كلثوم، عن الجسد، عن مأزق الجنون الجماعي، وكذلك عن إشكاليات التعبير وعن موته، وعن مدينة اللامكان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة