في 24 يونيو من كل عام، تتجدد ذكرى ميلاد المفكر المصري الدكتور ميلاد حنا "1924 – 2012"، الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون أستاذًا بارعًا في الهندسة الإنشائية، بل قرر أن يخوض معركة من نوع مختلف: معركة "بناء الإنسان المصري".
من على مدرجات كلية الهندسة، إلى سطور الكتب التي ناقشت أزمات الوطن وسؤال الهوية والانتماء، مضى ميلاد حنا ككاتب ومفكر سياسي، يشيد معمارًا من الكلمات، لا تقل متانة عن الأبراج الخرسانية التي درّس مبادئها.
ربما يظل كتابه الأشهر "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية" الصادر عام 1989 هو أبرز ما ترك من تراث فكري، فقد اختار أن يقدم مصر من الداخل، عبر تحليل فريد لتركيبتها الحضارية والثقافية.
قسم ميلاد حنا كتابه إلى ثمانية فصول، بعد الإهداءات والتعريف بالكتاب كونه "كتاب عن مصر"، فيتحدث الفصل الأول عن "مصر رقائق الحضارات"، والثانى "لن تتلبنن مصر" أما الفصل الثالث الذى عنون بـ"الأعمدة السبعة للشخصية المصرية" قسم إلى (العامود الفرعونى، والعامود اليونانى - الرومانى، والعامود القبطى، والعامود الإسلامى)، ثم يأتى الفصل الرابع الذى عنون بـ"انتماءات حسب المكان" وفيه يتحدث عن (العامود العربى، والعامود البحر أوسطى، والعامود الأفريقى)، ثم تتحدث الفصول الأربعة التالية عن "نظريات حول الانتماء"، و"مخاطر ضمور الخصوصية الثقافية القبطية"، و"سيمون بوليفار محور أمريكا اللاتينية"، و"جائزة سيمون بوليفار الدولية".
طوال الثمانية فصول فى الكتاب المنشور في 1989 في "دار الهلال" يهدف ميلاد حنا إلى تأكيد وحدة النسيج المجتمعي المصري، رغم تباينه واختلافه على مدار عصور طويلة، حيث تأثرت الشخصية المصرية تاريخيا وجغرافيا بداية من العامود الأول للشخصية المصرية، وهو الفرعوني يعد الركيزة الثقافية التي يقف عليها المصريون، بصرف النظر عن انتمائه الدينى أو أى من الأعمدة السبعة الأخرى، وبعدها يناقش الحضارات المتتالية تاريخيا ثم جغرافيا نظرا لطبيعة مصر الجغرافية.
وأثار حنا نقطة مهمة بشأن الحضارة القبطية رافضا آراء المؤرخين الذين أعدوا انتهاء العصر القبطى مع دخول العرب مصر عام 641 م، ووصفه بإجحاف علمى وثقافى ووجدانى، لأن غالبية مصر استمرت مسيحية، واللغة القبطية استمرت لغة شعبية خلال القرنين السابع والثامن، ثم حدث تأثر بين القبطية والعربية خلال القرنين التاسع والعاشر، بعدها تحدث عن الحضارة الإسلامية، حيث يرى أن الإسلام فى مصر يتميز بخصائص ثقافية "فريدة"، فلا هو بالسنى المصفى، ولا هو بالشيعى الزاعق.
لم يكتف ميلاد حنا بالمجال الفكري، فكتب "أريد مسكنًا" (1978)، و"نعم أقباط لكن مصريون" (1980)، و"ذكريات سبتمبرية" (1987)، و"قبول الآخر" (1998).
وفى 26 نوفمبر عام 2012، رحل ميلاد حنا عن عالمنا، بعد أن امتدت 88 عاما، لم تكن مجرد رحلة اكاديمية أو سياسية، بل كانت محاولة متميزة لبناء جسر بين المصري والمصرى، وبين الماضى والحاضر، وبين الاختلاف والتعايش.