تتواصل الحرب بين إيران وجيش الاحتلال، وها قد دخلا أمريكا على الخط، ولا نعرف ما سيجري في الأيام المقبلة، لكننا نعرف الماضي، وما جرى فيه، وكيف كان لبلاد فارس دور في زيادة الفنون في العالم، وكيف كان لها خصوصية في الكثير من هذه الفنون.
يقول كتاب الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي لـ زكي محمد حسين:
مقام إيران في تاريخ الفنون
كان الفتح الإسلامي في إيران أعمق أثرًا في تاريخها من فتح الإسكندر، بل إنه أقالها من عَثْرَتِها، فإن زوال استقلالها السياسي لم يكن له النتيجة المنتظرة والمنطقية في اضمحلال مدنيتها وتأخر فنونها، وسبب ذلك أن العرب كانوا قومًا عُمرت قلوبهم بالإيمان وتحلَّوْا بالشجاعة والإقدام؛ ولكنهم أدركوا — بما فيهم من حكمة طبيعية موروثة — أنهم في حاجة إلى معونة الإيرانيين في أنظمة الحكم والأساليب الفنية، فما كاد عصر بني أمية ينتهي بما حفل به من فتوحات وعصبية للعرب، حتى نقل العباسيون مقر الحكم إلى بغداد، فكان هذا إيذانًا بانتصار إيران في ميدان الحياة الاجتماعية والفنية والعلمية، ولا غَرْوَ فقد قامت الدولة العباسية على أكتاف الإيرانيين في خُراسان.
وسرعان ما أصبحت إيران في طليعة الأمم الإسلامية عناية بتشييد العمائر الفخمة وصناعة التحف النفيسة، ولم يكن عسيرًا أن تنعقد لها الزعامة في الفنون الإسلامية؛ فإن الشعب الإيراني فنان بالفطرة، وحَسْبك أن تشاهد بيتًا أو قصرًا إيرانيًّا، أو ترى تحفة مصنوعة في إيران لتدرك ذلك وينكشف لك.
وقصارَى القول أن تطور الفنون القديمة في الشرق الأدنى تم على يد الإيرانيين؛ فكان لهم بعد ذلك القسط الأجزل والقِدْح المعلَّى في الفنون الإسلامية.
والواقع أن التُّرك نقلوا عنهم معظم أساليبهم الفنية، بينما العرب أنفسهم لم تكن لهم تقاليد فنية عريقة. وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلًا في أن "المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول"، وذكر فيه أن السبب في ذلك بداوة العرب وبُعدهم عن الصنائع، وأن الدين كان أول الأمر مانعًا من المغالاة في البنيان والإسراف فيه في غير القصد، "فلما بَعُدَ العهد بالدين والتَّحَرُّج في أمثال هذه المقاصد، وغلبت طبيعة الملك والترف، واستخدم العرب أمة الفرس، وأخذوا عنهم الصنائع والمباني، ودعتهم إليها أحوال الدَّعَة والتَّرَف، فحينئذ شيدوا المباني والمصانع."
ومما ساعد على ازدهار الطرُز الفنية الإيرانية أن إيران منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) استعادت استقلالها السياسي والثقافي، فَبُعِثَت المدن الإيرانية ونمت وترعرعت في ربوعها الآداب والفنون.
الفنون الإيرانية