تُعد مصر أحد أبرز الفاعلين الإقليميين في القضية الفلسطينية، ولا سيما في دعم قطاع غزة الذى ارتبط تاريخيًا وجغرافيًا وأمنيًا بمصر، وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، لعبت القاهرة أدوارًا محورية ومتعددة فى إدارة الأزمات الفلسطينية، وتقديم الدعم السياسي والإنساني لسكان القطاع، وصولًا إلى التحركات المكثفة التى تقودها اليوم في أعقاب التصعيد غير المسبوق منذ 7 أكتوبر 2023.
لعبت القاهرة أدوارًا متعددة فى الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة أعوام 2008، 2012، 2014، و2021، حيث كانت تتولى الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل لوقف إطلاق النار، واستقبال الجرحى في المستشفيات المصرية، وإرسال قوافل إغاثية تشمل الغذاء والدواء والوقود، بالإضافة إلى تنظيم مؤتمرات دولية لإعادة إعمار القطاع.
وقدّمت مصر في بعض الأحيان مبادرات للمصالحة بين حركتي فتح وحماس، في محاولة لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي.
ومثّلت عملية "طوفان الأقصى" التى نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، بداية تصعيد غير مسبوق، تبعته حرب شاملة شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، أدت إلى دمار واسع النطاق وأزمة إنسانية خانقة.
ففي ظل هذه التطورات، اتخذت مصر عدة خطوات حاسمة، حيث رفضت علنًا وقطعيًا أي مخطط لتهجير الفلسطينيين من أراضيه، وطالبت بوقف إطلاق النار الفوري وحذرت من تداعيات استمرار العدوان، كما كثّفت من إرسال المساعدات الإغاثية عبر معبر رفح رغم تعرضه المتكرر للقصف الإسرائيلي.
كما استقبلت مصر آلاف المصابين والجرحى الفلسطينيين، وأقامت مستشفى ميداني كبير في منطقة رفح المصرية، واستضافت جولات من المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، في محاولة للتوصل إلى تهدئة دائمة.
أرسلت مصر ما يزيد عن 60 ألف طن من المساعدات الغذائية والطبية إلى غزة منذ أكتوبر 2023، واستقبلت أكثر من 5 آلاف جريح فلسطيني لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية.
كما شاركت مصر في تنسيق دخول مساعدات من دول أجنبية عبر معبر رفح، واستضافت مصر مفاوضات معقدة حول صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس.
ورغم الجهود الكبيرة، تواجه القاهرة عددًا من التحديات الكبرى فى التعامل مع الوضع في غزة، خصوصًا من الولايات المتحدة وبعض الأطراف الإسرائيلية، لفتح المجال أمام استقبال لاجئين فلسطينيين، وهو ما ترفضه مصر بشدة.
وتعد أول هذه الضغوط هو الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي يعقّد جهود مصر في تحقيق مصالحة فلسطينية شاملة، ورغم تغير الظروف السياسية، تحتفظ مصر بعدد من الثوابت في رؤيتها تجاه القضية الفلسطينية، أولها أنها لا بديل عن حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967، ودعم وحدة الصف الفلسطيني وإنهاء الانقسام.
فمنذ عام 1948 وحتى اليوم، ظلت مصر حاضرة في كل تفاصيل الملف الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة. وبين تعقيدات السياسة، وضغوط الأمن، وتحديات الجغرافيا، تواصل القاهرة أداء دور لا غنى عنه إنسانيًا وسياسيًا واستراتيجيًا. ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة بعد 7 أكتوبر، تبدو مصر في موقع بالغ الحساسية، يتطلب قدرًا كبيرًا من التوازن، حفاظًا على أمنها القومي، وعلى دورها التاريخي كحاضنة للقضية الفلسطينية.