خالد عزب

علم الآثار وفهم الماضى وفك ألغازه

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025 06:22 م


بدأ علم الآثار فى العقود الثلاثة الماضية يقدّم معطيات لفهم الماضى بصورة موسعة عن ذى قبل، هنا نحن نذهب مع هذا العلم إلى الماضي، إذ تعتبر دراسة القطع الأثرية والأشياء المصنوعة يدويًّا من الاهتمامات الرئيسية لعلم الآثار، فهى توفّر الأدلة لمساعدتنا فى الإجابة عن أسئلة الماضي. ويطلق مصطلح "المعالم" على القطع الأثرية غير المحمولة، مثل المسلات والآبار القديمة، ويطلق مصطلح "المواقع الأثرية" على المواقع التى تحتوى على آثار كبيرة من النشاط البشرى من القطع الأثرية والمعالم جنبًا إلى جنب، وهنا يتحرك الآثارى للبحث عن السياق أو الإطار، وهو أمر أساسى لفهم النشاط البشرى فى الماضي.

يتكون سياق القطعة الأثرية من المحيط الخاص بها، وهو المادة مثل طبقة التربة وما يحيط بها، ومصدرها، أى وضعها الأفقى أو الرأسى داخل محيطها وارتباطها ببقية القطع الأثرية التى وجدت بجوارها، والسياق الأساسى هو المكان الذى وجدت فيه القطع الأثرية وترسبت فيه بالماضي، أما السياق الثانوى فهو يطلق على القطع التى تحركت من مكانها الأصلى من خلال القوى الطبيعية أو النشاط البشري.
يتم إنشاء المواقع الأثرية من خلال عمليات متتابعة تشكل الموقع، وتطلق "عمليات التشكيل الثقافي" على ما يقوم به الإنسان من نشاط، سواء أكان مقصودًا أو غير مقصود، مثل تشييد المبانى والهياكل وحرث الحقول، وتطلق "عمليات التشكل الطبيعي" على الأحداث الطبيعية التى تؤثر على المواقع الأثرية، مثل الرماد البركانى الذى يغطى المدن القديمة، أو الرمال التى تحملها الرياح وتغطى التحف.
وتمكن الأجواء البيئية السليمة من الحفاظ على القطع الأثرية، بغض النظر عن المادة التى صنعت منها، وعادة ما تبقى المواد غير العضوية، مثل الحجر والطين والمعادن بشكل أفضل من المواد العضوية، مثل العظام والمنسوجات التى تميل إلى التحلل فى الظروف القاسية، ويتوقف بقاء المواد العضوية على المحيط الذى يحيط بها، والمناخ الذى ترسبت فيه، وتعتبر التربة الحمضية فى المناخات المدارية هى الأكثر تدميرًا للمواد العضوية، فى حين تعتبر البيئات الصحراوية الجافة وشديدة البرودة أو التى غمرتها المياه من البيئات المناسبة للحفظ الأثري.

تطورات غير مسبوقة

وضع علماء الآثار المجددون ثقلهم العلمى لتطوير مفاهيم هذا العلم، فتم تعميق أبعاد البحث الآثارى لكى يجذب له علومًا واختصاصات مختلفة فى مجالات الطبيعة والرياضيات والعلوم الاجتماعية أيضًا، وانبعثت عن هذا سلسلة لا حصر لها من التطورات غير المسبوقة فى علم الآثار، وما تشعّب عنه من تخصصات، يعنى هذا أن عالم الآثار عندما يبدأ معالجة مادته أو مشكلته الآثارية، يجب أن ينظر إليها من خلال الإطار المعيشى الكامل للإنسان؛ سواءً من ناحية التضاريس الجغرافية للمنطقة التى سكن فيها الإنسان، أو مواردها الطبيعة من ماء ونبات وحيوان ومعادن وغيرها، أو من المناخ وظواهر التعرية... إلخ، هذه النظرة تتطلب تضافر العديد من العلوم والتخصصات عند فحص المشكلة الأثرية.
هذا المنهج الموسع لدراسة الإنسان فى الماضى يرتكز فى الأساس على النظرية القائلة بأن هناك توازنًا طبيعيًا خفيًا بين جميع المعطيات وظواهر البيئة المحيطة، ويشمل ذلك جميع الكائنات الحية، بما فيها الإنسان. فوجود الإنسان فى مكان ما لغرض العيش؛ سواءً بالاستقرار أو الارتحال، تترتب عليه العديد من المضاعفات سلبية كانت أو إيجابية فى الطبيعة المحيطة.
إذًا فدراسة هذه الطبيعة وتحليلها قبل عامل التدخل البشرى وبعده، كفيلة بأن تعطينا فكرة عن التأثير البشرى فى التوازن الطبيعي، وبالتالى يمكن تحديد أوجه وأنماط العلاقة البشرية مع البيئة الطبيعية على مختلف مستوياتها، هذا بالطبع يحقق للباحث الآثارى مدخلًا عميقًا لفهم مشكلة المعيشة الإنسانية فى الماضي، وبالتالى تفسير تاريخ التطور الحضارى بشيء من التحليل العلمي.
هكذا بدأت تترسخ فكرة المسح الآثارى الشامل الذى يهدف ليس فقط إلى حصر الآثار المنظورة، بل يتعدى ذلك إلى هدف الوصول إلى الإطار البيئى الكامل الذى عاصره بكل فترة من فترات الأزمنة الأثرية، وهذا ما يجعل السياق والأثر متلازمين فى حل المعضلات التى تقابل علماء الآثار.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة