عصام محمد عبد القادر

فلسفة المناعة الفكرية

الجمعة، 12 ديسمبر 2025 12:00 ص


تعرّضُنا لبعض الأفكار الخاطئة، أو المنحرفة، أو المضللة أمر طبيعي؛ لكن آليات المواجهة، والتصدي لها تتباين من شخص لآخر وفق ما يمتلكه من سياج فكري رصين، يستطيع أن يفند، وينقد، ويدحر شوائب المعلومات، وما تحمله من تصور، أو معنى غير قويم، وعندما يحدث ذلك نرصد حالة من الاتزان، يتمتع بها الإنسان، الذي يمتلك المناعة الفكرية المعينة على منهجية ما نسميه الاستقلالية في نسق التفكير.

رهن امتلاك الإيجابية، حيازة المناعة الفكرية، التي تمنح الإنسان التصور الصحيح، لما يحيط به من مجريات أحداث، وما يدور في فلك الطبيعة من ظواهر، كما تساعده في الوصول إلى معدلات، أو مستويات الفهم العميق، الذي يشكل أهمية، لا مناص عنها في تشكيل الرؤى بمختلف أنماطها، ووظائفها؛ ومن ثم يمكن للفرد أن يميز بين الصواب، والخطأ وفق إطار المناعة الفكرية لديه؛ لذا نرصد تقدمه في التفكير، ومقدرته على التعاطي مع كافة المتغيرات، ناهيك عن شجاعة صناعة، واتخاذ القرار القائم على فلسفة تحمل المسؤولية في ضوء توافر المناعة، ووظيفيتها.

صلابة العزيمة، وقوة الإرادة لدى الإنسان، لا تنفك بحال عن مرونته، ولا تنفصل قطعًا عما يدور في خلده من أفكار بمختلف تنوعاتها؛ لذا تعد المناعة الفكرية خير ضامن؛ لتعزيز التوازن، والتريث مع مجريات الأحداث، وهذا ما يخلق تأمينًا للنفس من الدخول في اضطرابات، تسببها مفردات متناثرة في طيات التعامل مع الآخرين، مهما كانت درجة الصلة بهم، وهنا يكتسب الفرد المرونة القائمة على إدراك التعامل مع كافة المتغيرات المستجدة، ناهيك عن صورة التكيف الناتجة عن امتلاك قدر، لا بأس به من ركام الخبرة المربية.


فلسفة المناعة الفكرية تقوم على ماهية الاعتدال، والوسطية في كافة مناحي الفكر، وفي خضم متلون القضايا المتجددة على الساحة المحلية، أو الدولية، وعلى أثر ذلك يصبح الإنسان حائزًا لسياج من الثوابت القائمة على معرفة صحيحة، استلهمها من مصادر موثوق فيها، أو اكتسبها عن آخرين ممن يشهد لهم بالكفاءة، ورصانة المنطق، ورجاحة العقل، وبالطبع يتناغم ذلك كله مع ما تتصف به ممارسات القيم النبيلة، المتبناة من مجتمع لديه جسر من الحضارة، والإرث الثقافي، الدال على ملامح، وخصائص الشعب الأصيل.

هناك من يرصد قوة ورسوخ المناعة الفكرية، عبر قوة تحمل الإنسان ما يواجه من ضغوط متوالية، جل تركيزها على تضليل، وتشويه، وإرباك الأذهان، من خلال صبّ مزيد من المعارف القائمة على منطق النفعية، والمكرَّسة لفلسفة الاستقلال الفكري؛ حيث توجه العقول إلى معاقل حصد المنافع الشخصية، دون غيرها، والاكتفاء بالمتعة المحققة، جرّاء وظيفية المعرفة، مهما كان لها أثر غير حميد على الآخرين؛ ومن ثم يصبح الاهتمام معتمد على ما يلبي الاحتياجات، ويزيد من وتيرة الوصول إلى المتعة، ولو بصورة مؤقتة.

فكرة إعمال العقل وفق بيئة، تقوم على التجارب المعملية، تذهب بالفرد إلى بوتقة الذاتية دون غيرها؛ فيصبح التحليل، والتفسير، والاستنتاج منصبًا على انفتاحات تضير بالمناعة الفكرية، وهنا علينا أن نراجع صور الخبرات المقدمة لأبنائنا في مراحل التعليم المختلفة، بل، نحرص على تقديم كل ما من شأنه يصقل المرونة العقلية، التي لا تتقبل إلا دلالات المفاهيم في سياقها الصحيح، بالإضافة إلى تبني معايير تشكل ثوابت تعد بمثابة مصابيح، تضيء للفرد طريقه، وتخرجه من سياج الظلام الفكري إلى نورانية الفهم العميق، وبالطبع يعزّز ذلك لديه المناعة الفكرية في مكنونها، ومكوّنها.

المناعة الفكرية فلسفتها واضحة في أذهان المهتمين بترسيخها في العقول؛ فلا معنى لتقدم، وازدهار في ظل غلو، وتطرف، ورغبة في الانتقام، وإنكار واضح لماهية التعايش السلمي، وتعزيز السلام، دون شروط بعينها، وهذا أيضًا لا ينفك عن سقوط في الفساد، وكثرة الزلل المضير بمصالح المجتمعات المتعمد منه، والقائم على الإهمال؛ ومن ثم تحثنا فلسفة الحصانة الفكرية على تجنب كافة صور الانحراف المادي منه، والمعنوي على السواء؛ فما أجمل! من حكمة التعامل المورثة لقوة المنطق، والمؤدية إلى مسار سوي، يجعل العيون ترى المستقبل مشرقًا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة