حسين السيد يكتب: نجيب محفوظ واللغة الفصحى

الجمعة، 12 ديسمبر 2025 05:24 م
حسين السيد يكتب: نجيب محفوظ واللغة الفصحى نجيب محفوظ

• لا يزال يثير نجيب محفوظ إعجابى الشديد به، وكلما قرأت له عملا من أعماله منذ أن بدأ الكتابة أدركت أنه الوحيد الذى يستحق جائزة نوبل، وأنه الأجدر بها. ومن ضمن ما جعلنى أحب أدب نجيب ميله ودفاعه عن اللغة العربية الفصحى، فمن النادر أن تقرأ له حوارا بالعامية فى مؤلفاته، أو شئنا الدقة لا تجد له لفظا بالعامية إلا إذا كان يخدم النص وفى سياقه، ومع ذلك فهو قليل، ومن عباراته التى يذكرها له النقاد فى معرض رده على الناقد الإنجليزى "ديزموند ستيوارت" الذى وصف التزام نجيب باللغة الفصحى بأنه "عناد طارئ" ولا يؤدى إلى وظيفة فنية فى الرواية:


"إن اللغة العامية من جملة الأمراض التى يعانى منها الشعب، والتى سيتخلص منها حتما حين يرتقى، وأنا أعتبر العامية من عيوب مجتمعنا مثل الجهل والفقر والمرض تماما"، ولهذا لم يكتب نجيب الحوار لأى فيلم شارك فى صنعه، لأن الحوار لابد أن يكون بالعامية، فكان يكتفى بكتابة السيناريو فقط، وكان يرى أن "اللغة العامية حركة رجعية والعربية حركة قومية، واللغة العامية انحصار وتضييق وانطواء على الذات لا يناسب العصر الحديث الذى ينزع للتوسع والتكتل والانتشار الإنسانى"، كما ينقل عنه الدكتور يوسف نوفل فى كتابه "الفن القصصى بين جيلى طه حسين ونجيب محفوظ".

• أوضح نجيب محفوظ شغفه الشديد باللغة الفصحى فى مذكراته أو حواراته مع المرحوم رجاء النقاش "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، فأرجع أسباب حبه للغة العربية إلى معلمه "الشيخ عجاج" أستاذ اللغة العربية بمدرسة فؤاد الأول الثانوية، هذا الشيخ لفت انتباهه إلى جمال التراث العربى وروعته وثرائه، وكان دائم الاستشهاد فى دروس مادة البيان بأبيات شعرية منثورة فى بطون كتب التراث، فيسأله نجيب عن مظانها، فيرشده الشيخ إلى أنها مبثوثة فى كتب مثل: "البيان والتبيين"، "العقد الفريد" لابن عبدربه، "الأمالى" لأبى على القالى، وغيرها من المؤلفات الموسوعية، كما يذكر نجيب فى حواره مع فؤاد دوارة، وهذا ما جعله يرتاد مكتبات خان الخليلى ويبحث عنها، وهو ما انعكس على موضوعات الإنشاء التى كان يكتبها، وذلك لاستعانته ببعض تعابير كتب الأدب، فبهر أساتذته بهذه الثقافة. كما أنه ملمٌّ بقواعد النحو، ولا يكتب إلا إذا كانت بجانبه قواميس اللغة وكتب النحو، فيقول نجيب فى حواره مع رجاء:"كان عندى اهتمام خاص باللغة العربية فى سنوات دراستى الأولى، وانعكس ذلك على موضوعات الإنشاء التى كنا نقوم بكتابتها، وفى إجادتى لقواعد النحو والصرف، وإلى وقت قريب كنت أحرص على وجود قواميس اللغة العربية وكتب النحو بجوارى أثناء الكتابة، حتى أستعين بها إذا اختلط علىَّ الأمر بين الكلمات الفصحى والعامية"، ولهذا فإن نجيب كان دائم الحرص على الكتابة بالفصحى والابتعاد قدر الإمكان عن العامية، وحجته فى هذا أن لدينا لهجات متعددة داخل البلد الواحد، فماذا يكون الأمر لو كتب كل أديب بلهجة بلده؟ ويذكر أن فيلم "بياع الخواتم" من بطولة فيروز ترجم إلى اللغة العربية الفصحى عندما عرض بالقاهرة بسبب صعوبته على المشاهد المصرى".

• ذكر نجيب أن تمسكه باللغة الفصحى يعود إلى أنها لغة عامة وقومية ودينية، وقال: علىَّ أن أعطيها نوعا من الحياة، وأعمل على تقريبها إلى أذهان الناس، وأبتعد عن الألفاظ الصعبة التى تزخر بها، حتى تصلح للاستخدام الأدبى والروائى. ولا مانع عنده من استخدام الألفاظ العامية إذا كانت أكثر دلالة وتعبيرا عن المعنى، خاصة إذا كانت تلك الألفاظ لها أصول فى اللغة الفصحى. هذا وقد فسَّر بعضهم التجاء نجيب إلى الفصحى بأنه كان حريصا على الاشتراك فى المسابقات الأدبية فى ذلك الوقت، فلم تكن تمنح الجوائز إلا للأعمال الأدبية التى تلتزم كلية باللغة العربية الفصحى، وذلك مثل جائزتى قوت القلوب، ومجمع اللغة، وكذلك وزراة المعارف، وربما يكون هذا صحيحا من وجهة نظر بعض الكتاب؛ إذ كان نجيب يسعى إلى الانتشار بين المثقفين وإلى رفع روحه المعنوية، كما أنه كان فى احتياج إلى قيمة هذه الجوائز المالية، فبعد أن حصل على جائزة المجمع 100 جنيه، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن، فكَّت له ضائقة مالية، ويقول عن تأثير المبلغ:"وقد نتج عن حصولى على هذا المبلغ تحسين فى أحوالى المادية إلى حد كبير، وربما كان فى وقته أكثر فائدة من (فلوس) جائزة نوبل الآن"، وهذا ما شجعه على التقدم إلى مسابقة المجمع فى العام التالى برواية "السراب"، لكن تم حجب الجائزة.

• لكن هذه النظرة الضيقة يستبعدها أى إنسان منصف، والأمر فى غاية البساطة، ذلك لأن نجيب كان يكتب السيناريو ويتقاضى عنه أجرا كبيرا، فإذا كان يريد أن يجمع المال لكتَبَ الحوار أيضا وفى هذا زيادة فى القيمة، ولكنه رفض كتابته؛ لأنه لا يريد أن يكتب بالعامية، حتى لو كان حوارا فى السينما، كما أنه يدرك أهمية اللغة الفصحى، فهى التى ستبقى ومن ثم سيبقى أدبه خالدا، تستطيع الأجيال أن تقرأه وتستوعبه مهما تغيرت الأزمان.

• وقد عرض نجيب بعض المقترحات فى سبيل تيسير اللغة العربية، كما فى كتابه "حول الثقافة والتعليم"، وهو فى الأصل مقالات- ويرى أن إعداد المدرس الكفء هو الأساس الذى يقوم عليه أى تعليم ناجح، ويعاونه فى هذا مكتبة المدرسة ومجلتها، كما يدعو إلى تيسير النحو على الناشئة، وأن تقوم عملية الدراسة على الأسهل فالأصعب، بمعنى أن نبدأ بالعصور الأدبية القريبة إلى ان نصل إلى العصر الجاهلى، فيكون الطالب قد وصل إلى ذروة التعليم، فيستطيع أن يهضم العصر الجاهلى بكل سهول.. إلى آخر تلك المقترحات الهادفة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة