على مقربةٍ من قلب مرسى مطروح، تمتد منطقة علم الروم كأنها صفحة مفتوحة من كتاب التاريخ، تُطلّ على البحر الأبيض المتوسط بوجهٍ يحمل ملامح الحضارات التي مرّت من هنا. فعلى هذه الأرض الساحلية الهادئة، تلتقي آثار الرومان بشواهد العرب والمسلمين، في لوحةٍ تُجسّد تتابع العصور وتعاقب النفوذ على شاطئٍ واحد ظلّ حاضرًا في ذاكرة الزمان.
وتصدرت منطقة "علم الروم" محور الأحاديث الاقتصادية في الفترة الأخيرة، بعد أن أعلنت مصر وقطر عن صفقة استراتيجية كبرى لإنشاء مدينة مصرية قطرية متكاملة في منطقة علم الروم على مساحة 4,900 فدان، بإجمالي استثمارات تُقدّر بنحو 29 مليار دولار يضخها الجانب القطري، فيما تُقدّر قيمة الأرض بنحو 7 مليارات دولار.
تاريخ "علم الروم" من الرومان للفتح الإسلامي
يُرجّح المؤرخون أن اسم علم الروم ارتبط بوجود حصنٍ روماني قديم أقيم لحماية المدينة الرومانية بارتيليوم، الاسم القديم لمرسى مطروح، وكان هذا الحصن من النقاط الدفاعية المهمة التي شيّدها الرومان على طول الساحل لمراقبة البحر ومواجهة الغزوات. ومع مرور القرون، تآكلت جدرانه، لكن ظلاله بقيت ماثلة في الذاكرة، تحكي عن قوةٍ كانت تسيطر على البحر وعن تاريخٍ لا تزال آثاره مطمورة تحت الرمال.أما في اللغة العربية، فكلمة "علم" تعني العلامة البارزة أو الجبل المرتفع الذي يُرى من مسافة بعيدة. وقد استخدمها العرب للدلالة على الموضع الواضح الذي يهتدي به المسافرون، حتى صارت رمزًا للثبات والظهور، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: "وإن صخرًا لتأتمّ الهداة به... كأنّه علمٌ في رأسه نار".
ومن هذا المعنى اللغوي، يمكن تخيّل أن علم الروم كانت تشير إلى تلة أو مرتفعٍ صخريٍّ كان يعلوه الحصن الروماني، فصار بمثابة "علمٍ" أو إشارةٍ تُرى من البحر والبر، تهدي السفن القادمة وتحذر الغرباء من اقتراب الحاميات.
ومع قدوم الفتح الإسلامي إلى مصر واتساعه غربًا نحو برقة وتونس والمغرب، مرّ القادة المسلمون من هذه المنطقة، ليصبح موقع علم الروم محطة عبورٍ بين حضارتين عظيمتين: حضارةٍ رومانية تركت في الأرض هندستها ومعمارها، وحضارةٍ إسلامية حملت معها قيم العدل والعلم والعمران. وهكذا تحوّلت علم الروم إلى رمزٍ جغرافيٍّ وتاريخيٍّ في آنٍ واحد، يجمع بين إرث الماضي وهدوء الحاضر، شاهدةً على رحلة الإنسان عبر الزمن من حصون الإمبراطوريات إلى بوابات الفتح.