طلعت حرب.. حكاية رجل تحدى الاحتلال وسعى لبناء اقتصاد وطنى

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025 04:30 م
طلعت حرب.. حكاية رجل تحدى الاحتلال وسعى لبناء اقتصاد وطنى طلعت حرب

أحمد إبراهيم الشريف

بينما يمر الناس يوميًا أمام تمثال طلعت حرب فى قلب القاهرة، لا يتوقف كثيرون عند حقيقة أن هذا الرجل لم يكن مجرد مصرفى ناجح، بل صاحب مشروع وطنى كامل غير وجه الاقتصاد المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين.

ولد محمد طلعت حسن محمد حرب فى 25 نوفمبر 1867 بقصر الشوق فى حى الجمالية بالقاهرة، لأسرة مصرية تنتمى بأصولها إلى محافظة الشرقية، وحفظ القرآن فى طفولته قبل أن ينتقل إلى التعليم النظامي، أنهى دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية، ثم التحق بمدرسة الحقوق المصرية وحصل على شهادة الليسانس عام 1889، مع اهتمام واضح بالقراءة فى الاقتصاد والفكر العام وإتقان اللغة الفرنسية.

عمل مترجمًا بقلم قضايا "الدائرة السنية"، ثم ترقى حتى أصبح مديرًا لقلم القضايا، قبل أن ينتقل إلى القطاع الخاص مديرًا لشركة "كوم أمبو" للاستصلاح الزراعي، ثم مديرًا للشركة العقارية المصرية التى عمل على "تمصيرها" حتى أصبح أغلب رأس مالها فى يد المصريين، فى وقت كانت فيه الشركات الكبرى والبنوك تحت سيطرة أجنبية شبه كاملة.

ومن موقعه فى قضايا الأراضى والديون، لمس طلعت حرب حجم الهيمنة الأجنبية على الاقتصاد المصري، فصاغ مبكرًا رؤيته فى كتابه "علاج مصر الاقتصادى ومشروع بنك المصريين أو بنك الأمة" (1913)، الذى قدم فيه تشخيصًا دقيقًا لاختلال البنية الاقتصادية منذ عهد الخديوى إسماعيل، وكيف ذهبت فوائد النمو إلى البنوك والشركات الأجنبية، مع جداول توضح الديون وحركة الصادرات والواردات. واقترح فى نهاية الكتاب إنشاء بنك وطنى للمصريين يكون أداة لاستعادة الثروة والقرار الاقتصادي.

هذه الرؤية الفكرية لم تبق حبيسة الأوراق، بل تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى مشروع عملى سيغيّر الخريطة الاقتصادية.

فى 5 أبريل 1920 صدر المرسوم السلطانى بتأسيس "بنك مصر" كشركة مساهمة وطنية، ليكون أول بنك تُؤسسه وتملكه أغلبية من المصريين، ويُدار باللغة العربية وبكوادر مصرية، مع قصر الاشتراك فى أسهمه على المصريين فقط، فى مواجهة البنوك الأجنبية المسيطرة على السوق آنذاك.

كانت فلسفة طلعت حرب بسيطة وعميقة فى الوقت نفسه: تجميع المدخرات الوطنية الصغيرة فى وعاء واحد، ثم توجيهها إلى مشروعات إنتاجية وخدمية تبنى اقتصادًا وطنيًا مستقلًا. لذلك لم يكن البنك مؤسسة مالية معزولة، بل منصة لإطلاق شبكة واسعة من الشركات الوطنية.

ما بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، أسس بنك مصر تحت قيادة طلعت حرب عشرات الشركات التى حملت اسم "مصر" فى مجالات متعددة:
شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى (1927)، التى أصبحت أحد أعمدة الصناعة الثقيلة الوطنية.
شركة مصر لصناعة السينما "استوديو مصر" (1925)، التى لعبت دورًا محوريًا فى نشأة السينما المصرية الحديثة.
شركة مصر للطيران (1932)، كأول شركة طيران وطنية فى الشرق الأوسط.
شركة مصر للتأمين، ومصر للسياحة، ومصر للملاحة البحرية، وشركات للكتان والحرير ومصايد الأسماك وتصدير الأقطان وغيرها.

لم يكن طلعت حرب رجل أرقام فقط، بل كان مثقفًا وطنيًا تدخّل بقوة فى قضايا بلاده الكبرى. حين طُرح فى مطلع القرن العشرين مشروع تمديد امتياز قناة السويس لصالح الشركة الأجنبية، كتب كتابه الشهير عن قناة السويس، موضحًا بالأرقام حجم الخسارة التى ستلحق بمصر إذا مُدّ الامتياز، وساهم كتابه وتقاريره فى تكوين رأى عام وضغط سياسى أدى إلى رفض التمديد آنذاك.

كما ظل يدعو لاستقلال القرار الاقتصادى عن النفوذ البريطاني، معتبرًا أن التحرر الحقيقى يبدأ من السيطرة على المال والإنتاج لا من السياسة وحدها، وهو ما يظهر واضحًا فى خطاباته وكتاباته التى ربطت بين النهضة الاقتصادية والكرامة الوطنية.

فى أواخر الثلاثينيات اشتدت الضغوط على بنك مصر بسبب الأزمات العالمية والخلافات الداخلية، وانتهت باستقالة طلعت حرب من إدارة البنك عام 1939، ثم رحيله فى أغسطس 1941 عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة