مع حلول اليوم العالمى للرجل فى 19 نوفمبر من كل عام، تتجه الأنظار عالميًا إلى قضايا صحة الرجال النفسية والجسدية، وضغوط الأدوار الاجتماعية، والعلاقات بين الجنسين، فى محاولة لإعادة تعريف "الرجولة" بعيدًا عن الصور النمطية الضارة.
وفى السياق العربى والمصرى، يبدو اسم قاسم أمين حاضرًا من زاوية قد لا تُستحضر كثيرًا: كيف أن مشروعه الشهير لتحرير المرأة كان، فى جوهره، دعوة مبكرة أيضًا لتحرير الرجل، وتفكيك بنية الاستبداد داخل الأسرة والمجتمع معًا.
اليوم العالمى للرجل.. مراجعة صورته لا الاحتفال بسلطته
نحتفل باليوم العالمى للرجل منذ عام 1999، وجرى إقراره لكى يسلط الضوء على إسهامات الرجال الإيجابية فى المجتمع، وفى الوقت نفسه يناقش التحديات التى يواجهونها: من الصحة النفسية، إلى العنف، إلى ضغوط التوقعات الاجتماعية من "الرجل المثالى"، ويركّز اليوم على تحسين العلاقات بين الجنسين، وتعزيز نماذج رجولة صحية لا تقوم على القهر أو الهيمنة.
بهذا المعنى، فإن اليوم العالمى للرجل ليس دعوة للعودة إلى "سلطة الذكر"، بل إلى مراجعة صورتها، والاعتراف بأن الرجال أيضًا يدفعون ثمن المنظومة التى تنتج التمييز والعنف وعدم المساواة. وهنا تبرز المفارقة: كثير مما يُقال اليوم فى أدبيات هذا اليوم نجده مبثوثًا، بشكل مبكر، فى كتابات قاسم أمين قبل أكثر من 120 عامًا.
قاسم أمين: المرأة إنسان مثل الرجل
فى كتابه "تحرير المرأة" (1899) و"المرأة الجديدة" (1900)، بنى قاسم أمين مشروعه على فكرة بسيطة وحاسمة: المرأة إنسان مثل الرجل، لا تختلف عنه فى الإحساس ولا الفكر ولا حقيقة الإنسانية إلا بقدر ما يستدعيه اختلاف الجنس.
يرى أن تفوق الرجل ليس "طبيعة أزلية"، بل نتيجة تاريخ طويل من إتاحة العمل والتعليم للرجال وحرمان النساء منهما، بما أدى إلى تعميق الفوارق المصطنعة بين الطرفين.
ولم يكن دفاعه عن المرأة قائمًا على فكرة "استبدال سلطة بأخرى"، بل على مبدأ المساواة فى الإنسانية والحقوق والواجبات؛ فهو يؤسس فكره، كما تلخّص إحدى الدراسات، على أن المرأة والرجل كلاهما إنسان، لكل منهما حقوق وعليه واجبات، وأن القضاء على التمييز يستلزم تغيير الأنماط السلوكية، لا الاكتفاء بالشعارات.
من تحرير المرأة إلى تحرير الرجل.. حلقة واحدة
اللافت أن بعض القراءات النهضوية المعاصرة لكتابات قاسم أمين تذهب إلى أنه كان "داعية لتحرير المرأة كى يتحرر الرجل، وكي تتحرر الأمة"، لأن المجتمع لا يمكن أن يخرج "رجالًا ناجحين إن لم يكن لهم أمهات قادرات"
الرجل فى فكر قاسم أمين.. مسؤول لا مستبد
لا يقدم قاسم أمين صورة الرجل بوصفه "الخصم التاريخى" للمرأة، بل بوصفه شريكًا فى منظومة غير عادلة يمكنه أن يختار إعادة تشكيلها.
فى "تحرير المرأة" نجده يحمل الرجل مسؤولية مباشرة عن انحطاط أوضاع النساء عبر ممارسات مثل تعدد الزوجات بلا مسوغ، والطلاق التعسفى، وحبس المرأة فى البيت وحرمانها من التعليم والعمل، ويعتبر هذه الممارسات صورًا من "الاحتقار" والاستبداد الداخلى، لكنّه فى الوقت نفسه يلفت إلى أن هذا الاحتقار يعود بالضرر على الرجل نفسه: فجهل المرأة يعنى مزيدًا من الأعباء عليه، لأنها ستحتاج دائمًا إلى «ولى» يدير شؤونها، وتهميش نصف المجتمع يعنى تعطيل طاقات هائلة كان يمكن أن تسهم فى بناء الأمة، وغياب شريكة واعية متعلمة يفرز أبناء وبناتًا يحملون نفس أمراض الجهل والخوف والتبعية.