لم يأت اسم "دولة التلاوة" من فراغ، فاختيار هذا العنوان لبرنامج مصري جديد لا يعبر فقط عن مسابقة لاكتشاف المواهب القرآنية، بل يلمح إلى حقيقة أعمق هي أن التلاوة ذاتها كانت يومًا ما "دولة رمزية" تتشكل ملامحها في القاهرة، وتصدرها مصر إلى العالم العربي والإسلامي عبر الإذاعة، ثم التلفزيون، ثم التسجيلات، وأن المدرسة المصرية في التلاوة ليست اختراعًا جديدًا بقدر ما هي ميراث طويل يحاول البرنامج اليوم أن يستدعيه ويمنحه لغة معاصرة.
سمات المدرسة المصرية فى التلاوة
وحين نتحدث عن "المدرسة المصرية في التلاوة" فنحن لا نقصد مجرد لهجة أو طريقة نطق محلية، بل نقصد مزيجًا مركبًا من عناصر عديدة منها ضبط أحكام التجويد على أساس أزهري رصين، حس موسيقي يعتمد على المقامات العربية من دون إفراط في الاستعراض، وعي بمعنى الآية وسياق السورة، يجعل الارتجال الصوتي خادمًا للمعنى لا مستعرضًا للقارئ، ثم حالة خشوع وإحساس تجعل المستمع يشعر أن القارئ يعيش مع النص لا يؤديه أداء آليًا.
هذه العناصر اجتمعت تاريخيًا في أصوات كبار القراء المصريين، فصنعت في وعي العالم العربي تعبيرًا واضحًا، إذا أردت أن تسمع القرآن "كما ينبغي أن يكون"، فستجد نفسك في النهاية أمام صوت مصري، خرج من مدرسة الأزهر وتربى على موجات الإذاعة المصرية.
الشيخ محمد رفعت.. لحظة الميلاد الأولى لصوت الدولة
ربما لم يجسد أحد هذه المدرسة مثلما جسدها الشيخ محمد رفعت، فالرجل لم يكن مجرد قارئ موهوب، بل كان في نظر أجيال متعاقبة مدرسة، ومع ظهور الإذاعة في النصف الأول من القرن العشرين، صار صوت الشيخ رفعت جزءًا من تفاصيل اليوم المصري.
كانت البيوت تفتح الراديو عند الفجر، فينطلق صوته من جهاز صغير ليملأ الحارة والبيت والقلب، لم يكن الصوت عاليًا أو صارخًا، بل كان قريبًا وهادئًا، يتدرج في المقامات كمن يمسك بيد المستمع ويدخله خطوة خطوة إلى عوالم النص القرآني.
ميزة تجربة الشيخ رفعت لم تكن في المهارة الصوتية وحدها، بل في كونه فتح بابًا جديدًا أمام التلاوة، فقد أخرج القرآن من نطاق المسجد وحده إلى فضاء عام أوسع هو "صوت الدولة"، ومنح الناس نموذجًا جديدًا لفكرة "القارئ": ليس مجرد إمام حارة، بل صاحب رسالة جمالية وروحية تشترك فيها الأمة كلها.