لم يعد الحديث عن "الاستعمار الرقمي" ضربًا من الخيال أو ترديدًا لنظرية المؤامرة، بل أصبح توصيفًا واقعيًا لما يشهده العالم اليوم من صراع القوى التكنولوجية الكبرى على فرض قيمها وتحقيق مصالحها من خلال توظيف قدراتها التكنولوجية، حيث تعيد تطبيقات الذكاء الاصطناعى تشكيل المعرفة والتعليم والثقافة، وفقًا لقيم ومصالح القوى التكنولوجية الكبرى التى تحتكر إنتاج التقنية وتتحكم فى اتجاهات استخدامها.
وقد تناول تقرير اليونسكو الأخير، بعنوان "الذكاء الاصطناعى ومستقبل التعليم: الاضطرابات، المعضلات، والاتجاهات"، بقراءة نقدية عميقة، التحول فى الأدوار التى تلعبها تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد دورها يقتصر على كونها أداة للبحث والتحليل، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا فى إعادة تشكيل العملية التعليمية برمتها. وخلف هذا الدور الذى تلعبه التقنيات الذكية فى تطوير مختلف المجالات الحيوية، خاصة العملية التعليمية التى تُعد إحدى أهم ركائز بناء الإنسان، تبرز العديد من الظواهر التى تكشف الجانب الآخر من استخدام التطبيقات التكنولوجية الحديثة؛ ظواهر تتعلق باتساع الفجوة الرقمية بين من يملك المعرفة ومن يُقصى عنها، فثلث سكان العالم ما زالوا خارج المنظومة الرقمية، محرومين من الاتصال بشبكة الإنترنت، أى من الوصول إلى أدوات التعليم الجديدة. ليس ذلك فحسب، إذ إن النماذج اللغوية التى تُغذِّى تطبيقاتِ الذكاء الاصطناعى تنطلق من بيئات إنتاجها فى الشمال المتقدم، بما تحمله من قيم وتجارب ومعايير، وبهذا تُعاد صياغة العالم وفق رؤية "المركز"، فيما تظل لغات الجنوب، ومن بينها اللغة العربية، على الهامش، مما يهدد التنوع الثقافى واللغوي، ويجعل بعض المجتمعات "مستهلكة" بدلًا من أن تكون "منتجة"، وهى معضلة تمسّ جوهر الهوية الثقافية والتعليمية للمجتمعات.
ويثير التطور المطرد لتطبيقات الذكاء الاصطناعى جدلًا حول دور المعلم فى العملية التعليمية فى ظل زيادة استخدام هذه التطبيقات؛ فبينما يرى البعض أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى يمكن أن تحل محل المعلم فى الشرح والتقييم، يؤكد آخرون أن الدور الإنسانى لا يمكن استبداله، انطلاقًا من أن التعليم ليس عملية تقنية بحتة، وأن دور المعلم لا يقتصر على الجانب المعرفى فقط، فوجوده ضرورى لغرس القيم وتنمية التفكير النقدى لدى الطلاب، وهى أدوار لا يمكن استبدالها بخوارزمية مهما بلغت من تطور. ويوصى التقرير بأن يصبح الذكاء الاصطناعى والأنظمة الذكية شريكًا للمعلم، يساعده على تنمية الفكر وتوسيع فرص الإبداع والتفاعل، لا منافسًا له.
وتؤكد اليونسكو أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى استخدام الذكاء الاصطناعي، بل فى كيفية توجيهه لخدمة أهداف التعليم الإنسانى الشامل، ويدعو التقرير إلى ما يمكن تسميته "تربية الذكاء الاصطناعي"، أى تعليم الأجيال كيفية استخدام الذكاء الاصطناعى بشكل نقدى ومسؤول، بحيث تسهم التقنيات التكنولوجية الحديثة فى زيادة قدراتهم على التعلّم والإبداع، لا أن يصبحوا أسرى للخوارزميات التى أُنتِجت بها، أى أن يصبح الإنسان سيدًا على الآلة، لا تابعًا لها، بحيث تصبح التربية فى عصر الذكاء الاصطناعى ليست نقلًا للمعلومات فحسب، بل بناءَ وعى إنسانى مقاومٍ للهيمنة الرقمية.
إن تقرير اليونسكو لا يقدّم إجاباتٍ جاهزة، بل يفتح الباب أمام نقاش عالمى حول مستقبل التعليم فى عصر الذكاء الاصطناعي، وبين ما يقدّمه من فرص هائلة لإعادة تصور التعليم كعملية إنسانية شاملة، قائمة على التعاون بين الإنسان والآلة، وما يفرضه فى الوقت نفسه من تحديات.
ويبقى التحدى الأكبر، بالنسبة لمجتمعاتنا، فى كيفية توجيه هذه التقنيات نحو خدمة العملية التعليمية والحفاظ على قيمنا وثقافتنا. والسؤال الأبرز الذى تفرضه علينا التطورات التكنولوجية الحالية: ماذا سنفعل حتى لا نشهد جيلًا استقى علومه وثقافته وقيمه من خوارزميات لا تعبّر عن واقعه ولا عن لغته؟