في أروقة محاكم الأسرة، وعلى عتبات مراكز الشباب والأندية الرياضية، تنسج فصول مأساة صامتة أبطالها أطفال، وضحاياها آباء وأجداد تحولوا بفعل القانون إلى مجرد زائرين في حياة أبنائهم. "حق الرؤية"، الذي وضع كحل قانوني لضمان تواصل الأبناء مع الطرف غير الحاضن، أصبح في كثير من الحالات سيفاً مسلطاً على الطرف نفسه، وساحة للصراع، وباباً لمعاناة نفسية عميقة يدفع ثمنها الجميع، وفي مقدمتهم الطفل.
هذا التحقيق يفتح ملف "الرؤية والاستضافة"، ويرصد بالقصص الحية كيف تحولت ثلاث ساعات أسبوعية، بأمر القانون، إلى جرح غائر في قلب الأسر المصرية، وكيف أصبح القانون، في نظر الكثيرين، أداة لتعميق الانفصال لا جسراً للتواصل ومع تشكيل البرلمان الجديد ماذا يأملون من تعديلات في قانون الأحوال الشخصية.
ثلاث ساعات لا تصنع أباً
بموجب قانون الأحوال الشخصية وقرار وزير العدل رقم 1078 لسنة 2000، يمنح الأب "حق الرؤية" في حال انتقال الحضانة للأم. هذا الحق، الذي لا تقل مدته عن ثلاث ساعات أسبوعياً، يتم في أماكن محددة كالأندية ومراكز الشباب. لكن على أرض الواقع، تتحول هذه الساعات إلى كابوس.
يرفض المهندس أحمد فواز، أحد الآباء المتضررين، نظام الرؤية الحالي لدرجة أنه لم يرفع دعوى من الأساس. يوضح بمرارة: "أعتبره نظاماً غير إنساني، لا للأب ولا للطفل. هو ساحة للاستفزاز المتكرر. أنا ملزم بالحضور ثلاث ساعات كاملة، بينما يمكن للطرف الآخر الحضور في آخر خمس دقائق ويثبت حضوره وينصرف دون مساءلة. وإذا تغيبت أنا، أتهم بالإهمال. فأي عدالة في هذا؟".
ويضيف: "رؤيتي لأولادي أصبحت خاضعة للمزاج، أراهم أحياناً وأحرم منهم أحياناً أخرى. فلماذا أضع نفسي تحت مظلة قانون لا يضمن لي حقاً حقيقياً، بل يجعلني تحت سيف يمكن استخدامه ضدي في أي وقت؟".
يؤكد فواز أن هذا الوضع يؤثر حتماً على علاقته بأبنائه (12، 9، و6 سنوات)، فالطفل بطبيعته يصدق الرواية التي يسمعها كل يوم من الطرف الحاضن. يقول: "الطفل يصدق المصدر الأقرب إليه. لو كان سن الحضانة كما كان قديماً، ربما كان أحدهم على الأقل في رعايتي الآن، وربما ما كانت الأمور لتصل إلى هذا الحد من التعقيد".
أخيرًا يقول: "أنا لا أطالب بالمستحيل، بل بالعدل والتوازن. قانون الأسرة يمس المجتمع بأكمله، فنحن نتحدث عن تنشئة أجيال. عندما يرى الأبناء والدهم في المحاكم، أو يتعرض للحبس، فإن الأثر النفسي سيتراكم. هذه ليست معركة شخصية، بل قضية مجتمع بأكمله، والثمن سيكون أجيالاً كاملة تدفع نتيجة خلل في التشريع والتطبيق".

متضررون من قانون الرؤية يرونه سبب تدمير الأسرة
هذا الرأي تشاركه روان محمد، عمة لطفل لم تره منذ ولادته، وتتساءل بمرارة: "الدولة تتحدث عن أهمية دور الأب، ثم تضع قانوناً يختزل هذا الدور في ثلاث ساعات أسبوعياً. متى يعرف الأب ابنه؟ أم أن دوره أصبح مجرد ممول؟".
"أنا عمة لطفل لم أحمله بين يدي ولو لمرة واحدة. لا أعرف ملامحه عن قرب، ولا شكل ابتسامته. نحن كعائلة الأب، محرمون منه تماماً". بهذه الكلمات المفعمة بالألم، روان تكشف عن وجه آخر من المعاناة، وهو حرمان الأقارب من جهة الأب.
تتساءل روان بمرارة منطقية: "لو كنت خالة، لكان من حقي رؤية أبناء أختي. لكن كعمة، القانون يمنعني حتى من دخول مكان الرؤية. كيف أكون مؤتمنة على ابن أختي، وغير مؤتمنة على ابن أخي الذي يحمل اسم عائلتي؟".
أما والدتها الجدة أمل كمال، فتقول بقلب أم موجوع: "نحن في هذه المعاناة منذ سنتين. لم أرَ حفيدي، لا أعرف عنه شيئاً. ابني دمر نفسياً، وأخشى أن يؤذي نفسه من شدة الظلم. نحن لا نطلب سوى العدل، وأن يقيم الطفل أياماً عندنا وأياماً عندها. لا نطلب حرمانها، بل نطلب المشاركة في تربية حفيدنا".
حملة تطعن في دستورية رفع سن الحضانة
من رحم معاناة حقيقية في أروقة المحاكم، انطلقت حملة "حملة عودة سن الحضانة لسبع سنوات بمصر" ويقول أحمد سعيد، مؤسس الحملة: "دخلت ساحات المحاكم مرتين، مرة بطفل واحد، وعدنا بعد أن رزقت بطفلين آخرين. المعاناة تضاعفت، وأدركت أن المشكلة ليست فردية، بل أزمة عامة تمس بنية المجتمع".
بدأت الحملة في مارس الماضي بمجموعة "واتساب"، ثم انطلقت كصفحة رسمية تحولت سريعاً إلى صوت لمئات الآلاف من المتضررين. تحركت الحملة بشكل قانوني منظم، حيث تبنت طعناً قائماً أمام المحكمة الدستورية العليا يرتكز على "عدم دستورية رفع سن الحضانة إلى 15 عاماً"، كما تقدمت بشكوى جماعية لمجلس النواب.
يضيف مؤسس الحملة: "المشكلة ممتدة منذ عشرين عاماً، خرجت خلالها أجيال تأثرت بهذا الواقع، وبعضهم ضاع بالفعل. جوهر قضيتنا أن الطفل ليس طرفاً في الصراع، فلماذا يدفع الثمن؟".
يؤكد أحمد سعيد أن رفع سن الحضانة إلى 15 عاماً مع نظام "التخيير" هو أصل الأزمة. يقول: "وضع الطفل في صراع نفسي لا يحتمل: اختر بين أبيك وأمك. هل يمكن أن يخير إنسان بين الماء والهواء؟ قبل رفع السن، لم تكن النزاعات تتطور بهذا الشكل. كان الطرفان يفكران طويلاً قبل هدم الأسرة".
ويشير إلى مفارقة مؤلمة: "ابنتي كانت تحتاج متابعة علاجية دقيقة. فجأة، رفضت طليقتي تدخلي في علاجها ومتابعة حالتها وعرفت لاحقًا أن السبب هو تخوفها من أن الأوراق الطبية قد تستخدم ضدها في النزاعات القانونية وبالتالي انقطع علاجي لها بالكامل".
يختم أحمد سعيد حديثه قائلاً: "مطالبنا بكل وضوح هي الحصول على "استضافة" حقيقية تتيح للطفل المبيت مع الطرف غير الحاضن، و"ولاية تعليمية مشتركة"، وإعادة النظر في سن الحضانة. نريد نظاماً لا ينحاز لطرف على حساب الآخر. إنها ليست معركة بين رجل وامرأة، بل هي قضية مجتمع بأكمله."
من مشادة هاتفية إلى أربع سنوات من العذاب
"لم أكن أعرف شيئا عن قوانين الأسرة حتى دقت المشاكل باب بيتى"، هكذا تبدأ السيدة سعاد "اسم مستعار" حديثها، هى جدة، وأم لشاب منفصل، وجدت نفسها فجأة فى قلب دراما قضائية مؤلمة بطلها حفيدها الصغير.
اللحظة الأكثر إيلاما كانت فى عيد ميلاد حفيدها. تقول: "ابنى أخذ إجازة مخصوص من عمله ليحتفل مع ابنه، فى صباح ذلك اليوم، وهو يحمل التورتة واللعبة، فوجئ فى عمله بأوراق قضايا نفقة وحجز إدارى، اتصل بى منهارا.
رغم الصدمة، ذهب للاحتفال، لكن أحد الجيران اتصل به وهو فى الطريق وحذره من الذهاب خوفا من استفزازه لأنه عرف أنهم يدبرون لذلك، عاد ابنى دون أن يرى ابنه، رمى التورتة فى الطريق، أما اللعبة، فلا تزال فى بيتنا حتى هذه اللحظة، تنتظر صاحبها منذ أربع سنوات".
بعد دوامة من القضايا ومحاولات الصلح الفاشلة، قررت الجدة أن تأخذ زمام المبادرة، وتقول: "ذهبت إليها بنفسى، وجدتها نادمة، لكن بعد فوات الأوان". مؤخرا، تحقق الحلم بزيارة قصيرة من الحفيد، "لعب مع جده وتعلق بالبيت، لكننى أضع يدى على قلبى، فكل شىء يمكن أن يتغير، أضحى بالكثير لتستمر هذه العلاقة، المهم أن يظل حفيدى فاكر هذا البيت، فاكر أن له أهلا هنا".
تختتم "سعاد" حديثها : "حين يجلس معى لساعات، أشعر كأن السنوات الأربع الماضية لم تكن، أنا لا أدافع عن ابنى فقط، بل أرى أن كفة الميزان فى القانون مائلة جدا، لدرجة أن قوة المرأة القانونية قد تعلو على مصلحة الطفل نفسه والشاب أصبح يخاف من الزواج. سن الزواج ارتفع فوق الثلاثين. البيوت تهدم، والمجتمع يتأثر. ابنى عمره خمسة وعشرون عامًا، معه طفل، ويعيش هذه المعاناة.. كل هذا فى صالح من؟ أى مجتمع نؤسس بهذه الصورة؟ أتمنى من البرلمان الجديد أن يتدخل، أتمنى أن تتغير الأمور".

نقلاً عن العدد الورقي
الإفتاء: لا يجوز حرمان الأب من رؤية ابنه حتى لو قصر في النفقة
من منظور شرعي، يؤكد الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن العلاقة بين الآباء والأبناء هي علاقة أصيلة لا يجوز المساس بها، مشدداً على أنه "لا يجوز شرعاً حرمان الولد من أبيه، ولا حرمان الأب من ابنه"، حتى في حالات الانفصال أو تقصير أحد الطرفين في واجباته المادية كالنفقة.
وأوضح أمين الفتوى في لقاء تلفزيوني أن الشرع الشريف قد فرق بين الحقوق والواجبات، فحق الأب في رؤية ابنه والتواصل معه هو حق أصيل للطرفين "الأب والابن"، ولا يسقط هذا الحق بسبب تقصير الأب في واجب الإنفاق. وأشار إلى أنه لا يصح استخدام أحد الحقوق للضغط من أجل الحصول على حق آخر، كأن تمنع الأم الرؤية لإجبار الأب على دفع النفقة، لأن المتضرر الأول والأساسي من هذا الصراع هو الطفل نفسه.
واستشهد أمين الفتوى بالرحمة النبوية، قائلاً: "النبي صلى الله عليه وسلم شدد على خطورة التفريق بين الأم وولدها، فكيف بإنسان يمنع من رؤية ابنه؟ بل إن الرحمة النبوية شملت حتى الطير حين فجع في صغاره، فكيف بالإنسان؟".
وشدد على أن العدل بين الآباء والأبناء لا يتجزأ، وأي خلل يجب تقويمه بالوسائل القانونية، لا بالعقوبات المعنوية التي تترك أثراً نفسياً مدمراً على الأطفال.