تميز طه حسين بأسلوبه السهل الواضح، مع حرصه الدائم على نقاء اللغة ودقة التعبير، فكان يكتب بلغة عربية فصيحة قريبة من القارئ، دون تعقيد أو غموض، وقد أثارت آراؤه الفكرية والأدبية الكثير من الجدل، وتعرض بسببها لهجوم واسع وانتقادات حادة، لكنه لم يبال بكل ذلك، بل مضى في طريقه مؤمنًا برسالته في التجديد والتنوير.
كان عميد الأدب العربي يرى أن تعليم اللغة والأدب العربيين يحتاج إلى ثورة في الفكر والطريقة، فانتقد أساليب التدريس التقليدية وضعف مستوى التعليم في المدارس الحكومية ومعهد القضاء الشرعي، ودعا إلى تجديد مناهج تدريس الأدب العربي، كما شدد على ضرورة توضيح النصوص الأدبية للطلاب بأسلوب يجعلهم يتذوقون الجمال الفني، لا أن يحفظوا النصوص حفظًا آليًا، وطالب بإعداد معلمين يمتلكون ثقافة واسعة وتمكنًا لغويًا رفيعًا، ليكونوا قادرين على تربية الذوق الأدبي والفكري لدى الأجيال الجديدة.
معركة مفاهيم الأدب.. المحافظون في مواجهة المجددين
يوضح الكاتب أنور الجندي في كتابه "المعارك الأدبية" أن تلك المعارك الفكرية بدأت أولًا بين المدارس المحافظة والتيار التجديدى، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى داخل معسكر المجددين أنفسهم، بين المعتدلين والمتطرفين، وقد انقسمت القضايا الكبرى إلى محورين رئيسيين..
في معسكر المحافظين وقف كلٌّ من أحمد زكي باشا، فريد وجدي، مصطفى صادق الرافعي، محمد أحمد الغمراوي، شكيب أرسلان، ورشيد رضا.
أما المجددون، فمثّلهم العقاد، المازني، زكي مبارك، محمد حسين هيكل، طه حسين، وسلامة موسى.
معركة في الشعر الجاهلي
ومن أبرز المعارك الفكرية التى خاضها طه حسين، ما حدث عقب صدور كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي"، الذي أثار عند نشره ضجة كبيرة وردود فعل متباينة، كما توقع هو نفسه. فقد كتب في مقدمة الكتاب قائلًا:
"هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه ازورارًا... ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، إذ اقتنعت بنتائجه اقتناعًا لم أشعر بمثله من قبل".
كان طه حسين مؤمنًا بأن هذا البحث – رغم ما يثيره من اعتراض – سيجد صدى لدى قلة من المستنيرين الذين يمثلون نواة النهضة الحديثة وزاد الأدب الجديد.
معركة الرافعي وطه حسين.. الأدب بين الذوق والتقليد
من أقدم المعارك الأدبية وأكثرها ضجيجًا تلك التى نشبت بين الأديب مصطفى صادق الرافعي وعميد الأدب العربي طه حسين.
بدأت شرارتها عام 1912 عندما أصدر الرافعي كتابه "تاريخ آداب العرب"، فانتقده طه حسين بحدة، لتتطور الخلافات بينهما لاحقًا مع صدور كتاب الرافعي "رسائل الأحزان".
وقد كتب طه حسين تعليقًا لاذعًا قال فيه: "إن كل جملة من جمل هذا الكتاب تبعث في نفسى شعورًا قويًا مؤلمًا بأن الكاتب يلدها ولادة، وهو يقاسي من هذه الولادة ما تقاسي الأم من آلام الوضع".
كانت تلك الكلمات كفيلة بإشعال معركة نقدية واسعة بين أنصار القديم وأنصار الجديد.
معركة العقاد وطه حسين.. فلسفة المعري بين الخيال والعقل
لم يَسلم طه حسين أيضًا من سجال مع صديقه وخصمه عباس محمود العقاد، وبدأت المعركة من مقال للعقاد حول "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، حيث كتب العقاد: "إن رسالة الغفران نمط وحدها في آدابنا العربية، وأسلوب شائق ونسق طريف في النقد والرواية وفكرة لبقة لا نعلم أن أحدًا سبق المعري إليها".
أثارت هذه الكلمات اعتراض طه حسين، فردّ قائلًا: "الذي أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة هو زعمه أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال في رسالة الغفران، هذا نُكر من القول لا أدري كيف تورّط فيه كاتب كالعقاد".
وأصدر بعدها كتابه "بواعث الصمت" ردًا على ذلك الجدل، ليسدل الستار على واحدة من أرقى معارك النقد والفكر في الأدب العربي الحديث.