الألوان بالكتاب المقدس.. لغة روحية تكشف أسرار الخلاص والإيمان وكيف تخاطب الروح قبل العين؟ البابا تواضروس: لغة الحياة والإنجيل كشف سر رموزها.. الأخضر يرمز للحياة ونماء الروح.. وهذه دلالات الأصفر والأحمر والأسود

الجمعة، 17 أكتوبر 2025 07:00 ص
الألوان بالكتاب المقدس.. لغة روحية تكشف أسرار الخلاص والإيمان وكيف تخاطب الروح قبل العين؟ البابا تواضروس: لغة الحياة والإنجيل كشف سر رموزها.. الأخضر يرمز للحياة ونماء الروح.. وهذه دلالات الأصفر والأحمر والأسود الكتاب المقدس

كتب: محمد الأحمدى

 

تلعب الألوان دورًا محوريًا فى تشكيل وعى الإنسان وتكوينه الثقافى والروحى منذ فجر التاريخ. فهى ليست مجرد إحساس بصرى، بل لغة قائمة بذاتها، تعبر عن عواطف ومفاهيم ومعانٍ عميقة. وكان قداسة البابا تواضروس الثانى تحدث فى إحدى مقالاته بـ مجلة الكرازة المرقسية عن «الألوان لغة الطبيعة والحياة» أن الألوان هى «أحد دروب المعرفة، ولولاها ما كان للحياة طعم أو جاذبية»، مشيرًا إلى أن الألوان لعبت دورًا فلسفيًا ورمزيًا وفنيًا عبر العصور. وفى الكتاب المقدس نجد حضورًا واضحًا للألوان التى لم تُذكر عبثًا، بل حملت رموزًا لاهوتية وروحية وفلسفية ساهمت فى إيصال الرسالة الإلهية بلغة حسية يفهمها الإنسان فى كل زمان ومكان.

 

الألوان بين العلم والروح

وقبل الدخول إلى المعانى الروحية فى الكتاب المقدس، أوضح البابا تواضروس أن الألوان أصبحت مجالًا للبحث العلمي؛ فقد تناولتها عدة علوم مثل سيكولوجية اللون، وفلسفة اللون، وفسيولوجيا إدراكه وتأثيره على المشاعر والسلوك. ويذكر الطبيب النفسى الإيطالى ماوريتزيو دامبدا فى كتابه «شخصيتك والتواصل مع الآخرين» أن الاتجاه النفسى للإنسان يمكن تحليله من خلال اللون الذى يميل إليه: فالأحمر يرمز إلى القوة والدافع، والأصفر إلى الذكاء والإدراك، والأخضر إلى التوازن، والأزرق إلى الهدوء والسمو. هذه المعانى نجد جذورها داخل النصوص الكتابية، حيث لا يظهر اللون كصفة جمالية فقط، بل كعلامة رمزية للكشف عن حقائق روحية عميقة.

 

الألوان فى الكتاب المقدس.. لغة مقصودة

يحمل الكتاب المقدس إشارات لونية متعددة تظهر إما بصورة مباشرة من خلال ذكر اللون صراحة، أو بشكل غير مباشر من خلال الإشارة إلى شيء يرمز إلى لون ما. ففى المزمور التاسع عشر مثلًا نقرأ: «أشهى من الذهب والإبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهاد» (مز 19: 10). ورغم أن النص لا يذكر اللون الأصفر مباشرة، إلا أنه يشير إليه ضمنًا من خلال الذهب والعسل، ليؤكد أن كلمة الله منيرة وثمينة ومشبعة للنفس.

 

اللون الأصفر.. ضوء الحكمة وتناقض الحياة

خصص البابا تواضروس مساحة موسعة فى مقاله للحديث عن اللون الأصفر باعتباره أحد أكثر الألوان ثراء بالرمزية. فهو لون الشمس والإشراق والعقل والحكمة. قال الفنان العالمى فان جوخ ذات يوم: «كم هو جميل اللون الأصفر» لأنه يثير فى النفس مشاعر الدفء والنور. ومن دلالاته الإيجابية أنه لون الذكاء والابتكار، ولهذا يُصنع ثلاثة أرباع الأقلام الرصاص حول العالم باللون الأصفر لأنه يساعد على التركيز والاستيعاب. كما أنه لون الذهب رمز النقاء والقيمة، ولون سنابل القمح رمز الخصب والبركة، بالإضافة إلى ارتباطه بالشجاعة حيث كان الجنود فى الحضارات القديمة يرتدون شعارًا أصفر فى المعارك. لكنه أيضًا يعكس تناقضات الحياة، فكما يمثل النور فإنه يمثل التحذير. فالضحكة الصفراء رمز الخداع، والصحافة الصفراء رمز الشائعات، والوجه الأصفر دليل المرض والضعف. وهذا التباين يجعل الأصفر لونًا إنسانيًا بامتياز لأنه يجمع بين الأمل والخطر.

 

اللون الأسود.. رمز الألم والخيانة

يظهر اللون الأسود فى الكتاب المقدس غالبًا بمعانى الألم والشر والحزن. يصف سفر إرميا حالة الخراب الروحى بقوله: «ناحت السماوات من فوق واسودت الأرض من تحت» (إر 4: 28). وفى سفر أيوب يرتبط الأسود بالخيانة عندما يقول: «قد غدر به إخوته كالنهر» (أى 6: 15). كما يرتبط اللون الأسود باليأس الروحى وغياب النور الإلهى، فيشير إلى الظلام الذى يغطى النفس حين تبتعد عن الله. وفى الأدب الروحى المسيحى يشير الأسود إلى ليل الخطيئة وحالة التيه قبل التوبة.

 

اللون الأزرق (الأسمانجوني).. لون السماء والحكمة

لللون الأزرق حضور مقدس فى النص الكتابي. فهو اللون المستخدم فى ستائر خيمة الاجتماع وفى ملابس الكهنة كما ورد فى سفر الخروج. وهو لون السماء، لذلك أصبح رمزًا للحكمة الإلهية وسمو الفكر الروحى وارتفاع الحياة فوق الأرضيات. وفى سفر يشوع بن سيراخ يشير إلى الحكمة: «تلبسها كالأرجوان وتضع على رأسك إكليلًا من الأسمانجوني» (سى 6: 31). وفى التراث الكنسى ما زال اللون الأزرق حتى اليوم يرمز للألوهية والوجود السماوى ويظهر فى الأيقونات خاصة فى ثياب السيدة العذراء.

 

اللون الأحمر والقرمز.. الخطيئة والفداء

ويحمل اللون الأحمر (القرمز) فى الكتاب دلالات عميقة فهو لون الدم ولون التضحية. من جهة، يرمز إلى الخطيئة كما جاء فى قول الرب: «إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج» (إش 1: 18). ومن جهة أخرى، صار رمز الخلاص والفداء لأنه يشير إلى دم المسيح المسفوك على الصليب لخلاص البشرية. ويظهر ذلك أيضًا فى قصة راحاب فى سفر يشوع حين استخدمت «حبل القرمز» كعلامة إنقاذ لها ولأسرتها، فصار القرمز رمزًا للتطهير والحماية الإلهية.


اللون الأخضر.. حياة ورجاء

يرمز اللون الأخضر فى الكتاب المقدس إلى الحياة والنماء الروحي. ويظهر فى أروع صوره فى مزمور الراعي: «فى مراعٍ خضر يربضني» (مز 23: 2)، أى فى أماكن الراحة والسلام والنمو. لكنه قد يظهر أحيانًا بدلالة سلبية حين يشير إلى العبادة الوثنية فى الأماكن المرتفعة المغطاة بالأشجار الخضراء كما فى سفر التثنية (12: 2). ومع ذلك يظل اللون الأخضر رمزًا مستمرًا للرجاء لأنه مرتبط بالشجر والحياة المتجددة.

 

الأرجوان.. لون الملوك

كان الأرجوان أغلى صبغات العالم القديم، ويُستخرج بصعوبة من بعض الأصداف البحرية، ولذلك أصبح لونًا خاصًا بالملوك والأغنياء. وقد ارتبط بالسلطان والمجد الروحى، ويذكر ذلك فى مثل الغنى ولعازر: «كان يلبس الأرجوان والبز وهو يتنعم كل يوم مترفًا» (لو 16: 19). كما استخدم الأرجوان فى صناعة الحجاب الداخلى لخيمة الاجتماع، فصار مرتبطًا بالعظمة الإلهية.

 

الأبيض.. الطهارة والنهاية المشرقة

اللون الأبيض فى الكتاب هو لون المجد الإلهى والنقاء والبر. يظهر فى رؤى القيامة والتجلى والملائكة. وفى سفر الرؤيا نقرأ: «وأعطى أن تلبس بزا نقيًا بهيًا لأن البز هو تبررات القديسين» (رؤ 19: 8). وهو لون الغلبة النهائية للخير على الشر.

 

وتؤكد دراسة الألوان فى الكتاب المقدس، أن اللون ليس مجرد عنصر زخرفى بل جزء من الوحى الإلهى نفسه. فهو لغة خلقها الله ليحدث بها الإنسان، وينقل إليه رسائل تتجاوز حدود الكلمات. وقد أوضح البابا تواضروس الثانى أن التأمل فى الألوان يقود إلى فهم أعمق للنصوص المقدسة لأنها تكشف عن أسرار الإيمان والعمل الإلهى فى النفس. فمن الأصفر رمز النور والحكمة، إلى الأحمر رمز الخلاص، ومن الأزرق رمز السماء، إلى الأبيض رمز القداسة، تتحول الألوان فى الكتاب المقدس إلى مفاتيح روحية لقراءة العالم وفهم علاقة الإنسان بالله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة