جهود مكثفة بذلتها الدولة المصرية، منذ اليوم الأول للعدوان على غزة قبل ما يقرب من ثلاثة عشرة شهرا، حيث اعتمدت عدة مسارات، أبرزها إنساني، عبر الضغط على الاحتلال لتمرير المساعدات الإنساني، مع ضرورة الوصول إلى وقف إطلاق النار في غزة ، بينما اعتمدت مسارا آخر دبلوماسيا قام في الأساس على إضفاء غطاء من الحماية على القضية الفلسطينية برمتها، وذلك بعدما سعت حكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو إلى تطبيق مخططاتها القائمة على تهجير سكان القطاع والعمل على فصله عن الضفة الغربية، بهدف تقويض الشرعية الدولية القائمة على حل الدولتين، وتأسيس الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، عبر تجريدها من ركني الشعب من خلال التهجير، والأرض من خلال فصل الأراضي التي من المفترض أن تمثل الرقعة الجغرافية للدولة المنشودة، في حين كان هناك مسارا ثالثا ذو طبيعة قضائية، تجسد في مشاركتها الفعالة أمام محكمة العدل الدولية، ناهيك عن المصالحة الفلسطينية والتي تعد مسارا آخر لا يقل أهمية عن المسارات السابقة.
ولعل الاحتلال اعتمد آلته العسكرية الغاشمة لتحقيق الهدف المنشود، وهو تصفية القضية، لإجبار السكان على ترك منازلهم، بينما كان مدفوعا في بداية العدوان على حالة من التعاطف الدولي، والتي استمدها من عملية طوفان الأقصى، والتي خلقت خطابا دوليا قائما على ذريعة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وهو الأمر الذي واجهته الدولة المصرية من خلال دبلوماسيتها الناجعة، التي قامت في الأساس على خلق التوافقات الدولية، حول ثوابت إنسانية، تقوم على ضرورة وصول المساعدات إلى سكان القطاع، وأخرى مرتبطة بالقضية، تقوم على تعزيز حل الدولتين، باعتباره الشرعية التي ارتضاها العالم، وهو النهج الذي أطلقته مصر مع دعوتها لعقد قمة دولية، بعد أيام معدودة من اندلاع العدوان.
التحرك المصري على المستوى الدولي، سار بالموازاة مع تحركات أخرى، في المحيط الجغرافي للدولة، عبر تحقيق حالة من الإجماع الإقليمي دارت حول رفض الدعوات الإسرائيلية المشبوهة، والتأكيد على رفض التهجير، مع الاعتراف بجغرافية فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) كوحدة واحدة، بينما استغلت الدبلوماسية المصرية حالة الرخم الكبير التي تشهدها العلاقات مع القارة الأفريقية، لاستعادة دعمها الكامل والمطلق للحق الفلسطيني، وهو ما شهد تحولا من مجرد لغة الخطاب، والتي تحمل أهمية كبيرة إثر ما تضفيه من شرعية دولية، نحو خطوات عملية، تجلت بوضوح في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والتي انضمت لها العديد من الدول، لتقدم دعما قضائيا غير مسبوق، ربما وضع المزيد من الحرج الدولي على المعسكر الداعم للدولة العبرية.
وفي الواقع، تعد دبلوماسية التوافقات التي تبنها الدولة المصرية، جنبا إلى جنب مع المسار القضائي، وما آل إليه من أحكام تدين الاحتلال سببا رئيسيا في تجريد حكومة نتنياهو، من جزء كبير من تعاطف حلفائه، وهو ما بدا في تغير الخطاب من ذريعة "الدفاع عن النفس"، إلى ضرورة وقف إطلاق النار، وتسليط الضوء على الانتهاكات الكبيرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في القطاع جراء استهداف المدنيين ومنشآتهم، وما أسفر عنه ذلك من مقتل آلاف البشر، معظمهم من النساء والأطفال.
وأبرز المشاهد التي تتبادر إلى الذهن حول التغيير الكبير في المواقف الدولية، تتجسد في اعتراف عدة دول أوروبية، بالدولة الفلسطينية، منها إسبانيا، وسلوفينيا، والنرويج، بينما مازالت حكومات أخرى تناقش الخطوة على رأسها بلجيكا، وذلك بعد تصريحات رئيس وزراءها ألكسندر دى كرو، من أمام معبر رفح، وهو ما يحمل أهمية كبيرة على اعتبار أن بروكسيل هي عاصمة أوروبا الموحدة، والتي يتواجد بها مقر الاتحاد الأوروبى، بينما امتد الأمر إلى التوتر الملموس في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما بدا واضحا في خطاب نتنياهو أمام الكونجرس، والذي يمثل محاولة صريحة لورع بذور الانقسام في الداخل الأمريكي في توقيت يبدو حساس، قبل انطلاق الانتخابات الرئاسية، في خطوة أدركها الديمقراطيين، الذين يسيطرون حاليا على البيت الأبيض، بينما تمثلهم نائبة الرئيس كامالا هاريس في المعترك المقبل، مما دفعهم إلى مقاطعته الجلسة التي تحدث فيها نتنياهو، والذي بدا مراهنا على الجمهوريين، الذين حرصوا على تحقيق رقم قياسي في التصفيق له، نكاية في خصومهم السياسيين أكثر منه اقتناعا بمواقفه.
الكفاءة الكبيرة للدبلوماسية المصرية، في إدارة أزمة العدوان على غزة، ترجمتها حالة الدعم الدولي للدور الذي تلعبه فيما يتعلق بمفاوضات وقف إطلاق النار، من قبل كافة الأطراف الفاعلة في المعادلة الدولية، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعكس النجاعة الكبيرة والحكمة الفائقة والتي تهدف إلى تحقيق حالة من الاستقرار، والتي من شأنها التوجه بعد ذلك نحو مفاوضات الحل النهائي.
الجهود المصرية في واقع الأمر لم تقتصر على مجرد إدارة الأزمة دوليا، على النحو سالف الذكر، وإنما أيضا ارتبطت بصورة كبيرة بالداخل الفلسطيني، عبر الجهود الكبيرة التي تبذلها للم الشمل وتوحيد الصف، وهو ما بدا مؤخرا في استضافة وفود من حركتي فتح وحماس بالقاهرة، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية من شأنه تنحية الخلافات جانبا، والعمل على تحقيق الهدف المشترك المتمثل في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، وهو ما يمثل البعد المركزي للقضية، والهدف الأساسي لكافة القوى الإقليمية، وبالطبع لكل أطراف المعادلة الفلسطينية.
وهنا يمكن القول بأن الجهود المصرية في إدارة أزمة العدوان على غزة، نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات، رغم استمرار العدوان، ربما أبرزها الاعترافات المتواترة بدولة فلسطين، وكذلك الانشقاق النسبي بين إسرائيل وحلفائها، بالإضافة إلى الصفعات القضائية المتتالية التي نالها الاحتلال وحكومته، ناهيك عن التقدم لخطوات واسعة نحو إنهاء حالة الانقسام، وهو ما يمثل أساسات مهمة يمكن البناء عليها في المستقبل.