من الخارج، تبدو "عمارة الزهراء" هادئة تشبه عشرات البنايات السكنية التي تتراص في أزقة منطقة سيدي بشر قبلي بحي المنتزه بالإسكندرية.
العقار الذي يحمل رقم 17 يرتفع بخمسة طوابق علوية، يكتظ بالحياة اليومية القاسية لساكنيه؛ إذ يضم كل طابق ست شقق سكنية تتجاور فيها الأبواب وتتقاطع خلفها صرخات وحكايات وأسرار العائلات، لكن الشارع الهادئ المعتاد استيقظ فجأة على أثر صدمة مروعة أزاحت الستار عن واحدة من كوابيس الواقع التي لا تُنسى.
عند دخولك من المدخل الرئيسي للعقار رقم 17، يمتد على يمينك سلم إسمنتي عريض، تصعد درجته تلو الأخرى وصولاً إلى الطابق الرابع، حيث تقف أمام الباب الرئيسي لـ "شقة مدام سالي"، الاسم الذي طالما عرف به الجيران هذا المسكن الهادئ.
غير أن هذا الباب لم يعد مجرد مدخل لبيت عائلي دافئ، بل تحول خلال ساعات قليلة إلى فاصل حاد بين الحياة والعالم الخارجي، وبين واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي وقعت بين جدرانه المغلقة.
مسرح الجريمة
داخل هذا المسكن المغلق، لم يكن الهدوء سوى غطاء لرحلة مرعبة استمرت ثمان وأربعين ساعة كاملة، تتكون الشقة من صالة رئيسية تمتد بطول يصل إلى ستة أمتار وعرض أربعة أمتار، تنتهي بنافذة مطلة تحجب الرؤية عن أسرار الداخل.
ومن تلك الصالة يتفرع ممر طويل، ينقسم بعناية هندسية؛ فعلى يمينه تقبع غرفتا نوم، بينما يتوزع المطبخ والحمام على اليسار، في هذا الحيز الضيق، جرت أحداث مأساة إنسانية هزت مشاعر كل من سمع بها.
وحسب المعاينات والتحريات الميدانية، شهدت هذه الشقة لحظات جنونية عندما أقدمت الابنة المتهمة على إنهاء حياة والدتها، بل ولم تكتفِ بذلك، بل سعت إلى المضي قدماً في إخفاء الجثة عبر تقطيعها في البداية إلى ثلاثة أجزاء رئيسية باستخدام أدوات حادة، متجردة من كل مشاعر الأمومة والبنق.
التخلص من الجثة
وتجلت مظاهر الذهول في تفاصيل إخفاء المعالم؛ إذ قامت المتهمة بنقل رأس الضحية ووضعها داخل الفريزر في الباب العلوي لثلاجة المنزل، بينما أودعت النصف العلوي من الجسد على الأرفف داخل الباب السفلي للثلاجة ذاتها.
ولم تقف التفاصيل عند هذا الحد، بل قامت بجمع الأحشاء ووضعها داخل كيس بلاستيكي أبيض جرى تركه على أرضية المطبخ، في حين احتفظت بالساقين داخل حقيبة قماشية أُلقيت في زاوية مبعثرة داخل الغرفة الأولى.
وفي المشهد الأكثر إثارة للرعب والحيرة النفسية، عاشت المتهمة برفقة أشلاء جثمان والدتها المقسمة بين الثلاجة والغرف لمدة يومين كاملين داخل الشقة رقم 43.
كانت تأكل وتشرب وتنام على بعد خطوات قليلة من بقايا جثة أمها، دون أن تبدي أية علامات اضطراب أو خوف، وكأن الحياة داخل هذا البيت سارت في مسار موازٍ ينفصل عن المنطق الإنساني.
ولم تنتهِ الدراما إلا عندما اشتبه الجيران والمقربون، مما دفع الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية إلى الاقتحام والتدخل السريع، حيث جرى ضبط المتهمة.
وعقب إجراء التحريات ومناظرة الجثمان ومسرح الجريمة، قررت النيابة العامة حبس المتهمة على ذمة التحقيقات، مع إحالتها إلى الطب النفسي للكشف على سلامة قواها العقلية وبيان مدى مسئوليتها عن هذه الأفعال المروعة التي جرت خلف باب "مدام سالي".