ونحن فى الذكرى 51 لانتصارات أكتوبر، نكرر مطلبا طرحناه على مدى عقود وطرحه غيرنا بأن يتم توثيق الوقائع وحفظها للأجيال، والباحثين بحقيقتها، مع علمنا أن هناك وقائع تفوق الخيال فى قصص بعضها جاء على لسان الإسرائيليين، وأقول هذا ونحن فى عصر المعلومات وبعد مواجهة محاولات متنوعة لتزييف الوقائع، والتشكيك فى انتصار كبير باعتراف العدو نفسه.
فى فيلم جولدا golda الذى عرض 2023، ويقدم سيرة رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير وقت حرب أكتوبر، الفيلم ليس منطلقا من رواية عربية، لكنه يتبنى رواية أقرب لتوثيق إسرائيلى، ومع هذا فهو فى النهاية يقدم تقريبا الرواية المصرية عن الحرب، وكيف انهار موشى ديان وزير الدفاع، بعد أن أصابه غرور ما بعد يونيو 1967، وأمام العبور انهار لدرجة أنه طالب بضرب القاهرة بالقنابل النووية، الفيلم أيضا ينقل من مذكرات جولدا مائير ويصور صدمتها، وهى تشاهد عودة الأسرى بالبيجامات الكستور، كما أنه يتبنى وجهة نظر الرئيس أنور السادات فى الثغرة، ويقلل من شأنها، مقابل تصوير الرعب والفزع أمام بطولات المقاتل المصرى، وتبدو المفارقة أن فيلم «جولدا» يقدم الرئيس السادات فى صورة القائد الماكر الشجاع، الذى يتلاعب بالإسرائيليين ويكسر غرورهم، وصولا إلى السلام الذى يعقده ويسترد الأرض.
الفيلم يقدم السادات والانتصار والصدمة فى إسرائيل، وهو ما يحمل مفارقة تخالف بعض الكتابات العربية التى سعت للانتقاص أو التقليل من العبور المذهل، والبطولات الأسطورية.
فى المقابل هناك مفارقات تتعلق ربما ينشر عن الحرب والانتصار فى مواقع التواصل، وفى أثناء البحث عن بعض الموضوعات فى انتصارات أكتوبر، وقعت عينى على موقع ويكيبيديا، ووجدت تواريخ وتفاصيل خاطئة وبعض التدخلات يتعمد من فعلها أن يزيف الوقائع حول العبور وحرب أكتوبر، وتعديل تعمد كاتبه أن يشكك فى الكثير من الوقائع المعروفة وبعضها موثق.
نعلم أن ويكيبيديا موسوعة حرة، وأن كل مواطن يمكنه التدخل والتعديل، بصرف النظر عما يقوم بتعديله، وهناك أكثر من تجربة تكشف عن أن إمكانيات التلاعب واردة، هذا بجانب ظهور أشكال وأنواع ممن يطلقون على أنفسهم بلوجر أو انفلونسر، وبعضهم ليسوا على مستوى المعرفة اللازمة، أو يستندون إلى معلومات يقدمها لهم معدون غير ملمين بالموضوع، بل ويصل الأمر إلى تبنى معلومات خاطئة ومزيفة من مصادر مثل ويكيبيديا أو مواقع لا توثق ما تنشره، وإذا افترضنا حسن النية يمكن أن يكون الأمر نتاج جهل، أو سطحية ، وأحيانا يتعمد البعض الخطأ لركوب موجة أو تريند، وإذا كان التنوع واردا فى قصص تاريخية، لكن الأمر يكون مثيرا للصدمة فى وقائع موثقة أو تواريخ مثبتة، خاصة فيما يتعلق بحدث ضخم ومفصلى مثل انتصارات أكتوبر والعبور.
وبالتالى ونحن نحتفل بالذكرى الواحد والخمسين لانتصارات أكتوبر، تظل هناك الكثير من التفاصيل المهمة غائبة فى الحرب وما قبلها وما بعدها، أو متناثرة فى أوراق ووثائق، أو وقائع تم تجاهلها لصالح روايات سياسية، أو مواقف مختلفة، ولكنها تخص فى الأساس آباءنا وإخوتنا من أبطال القوات المسلحة الذين صنعوا نصرا مذهلا، بإمكانيات متواضعة، وسجلوا أساطير.
خلال هذه العقود تشكلت لجان تاريخية وعلمية قام بعضها بأدوار مهمة فى جمع وترتيب الوثائق، لكن بقى عمل هذه اللجان ناقصا، ونحن فى عصر المعلومات، وكثيرا ما تظهر شهادات أو حلقات أو روايات ناقصة أو مزيفة، وعلى «يوتيوب»، هناك الكثير من الحلقات بعضها مجهول المصدر تروى أطرافا من الحرب أو ما جرى حولها، وبعضها لا يرقى إلى قيمة « أكتوبر» يحمل تزييفا مقصودا أو جاهلا.
فى المقابل هناك شهادات فردية لأصحابها أو للأبناء والأحفاد، وخلال السنوات الماضية ظهرت بعض القصص والشهادات لأفراد من الضباط والجنود يروون تفاصيل مهمة عن معارك وأحداث ووقائع حية شهدوها أو كانوا أطرافا فيها، وهى شهادات لها قيمتها.
وبالتالى وحسما لأى جدل يفترض فرز وتسجيل شهادات الأفراد الذين شاركوا وغيرها حتى تكتمل الرواية، وأن تتم مراجعة التوثيق والتفاصيل التى تمت خلال العقود الماضية، حتى يمكن أن تتم إتاحة مواد يستند إليها من يريدون العمل على تأريخ انتصارات أكتوبر، ومن حسن الحظ أن أصبحت لدينا قناة الوثائقية التى أطلقتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، والتى يمكن أن تضاعف من توثيق الأحداث والتفاصيل المفصلية فى تاريخنا الحديث، لتعالج نقصا أو تأثيرات أعمال تضمنت تلاعبا أو رؤية ناقصة او سياسية.
التوثيق ضرورة للعبور فى عصر النشر والتواصل، وأن نقدم قصتنا الحقيقية.
