أكرم القصاص

محمد أحمد طنطاوى

أن تدرك قيمة النهاية..

الإثنين، 28 نوفمبر 2022 09:34 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا أرى للحكمة معنى أفضل من كونها حُسن إدراك النهاية، والقدرة على التخلي، والتوقف عن طرق أبواب انشغل أصحابها بقصد أو بدون، لذلك بات مهماً أن نمنح أنفسنا الفرصة لبداية جديدة، أكثر عمقاً وبقاءً، وننظر للحياة بطريقة أكثر موضوعية وحكمة، فمازالت الدنيا تغازلنا  بالمال تارة والسلطة والعزوة تارة أخرى، حتى صرنا نسمع جلجلة ضحكاتها، في وقت ولى فيه العمر مثل ساعة.

قبل أن يأتيك خريف العمر يجب أن تمنح نفسك الفرصة لإعادة الاعتبار لأحلامك المؤجلة، وهواياتك الملقاة جانباً، نتيجة الانشغال وضيق الوقت، فلماذا لا تمنح نفسك الفرصة لتعلم لعبة جديدة، أو رياضة كنت تتمنى ممارستها في الصغر، أو هواية معلقة منذ الطفولة الأولى، أو مجموعة قصصية لم تسعد بقراءتها، أو ربما لغة حلمت أن تجيدها كما ينبغي، أو التخطيط للسفر في مكان بعيد، حيث التجربة المختلفة، وتفريغ النفس من همومها المعتادة وروتينها البغيض.

ندرك متأخراً أهمية اللهو مع الأولاد والأسرة، والمرور بتجربة صراع الأجيال، وما يمكن أن تصنعه من فوارق بين القدماء والمحدثين، فهذه المعارف والتفاصيل لن تمنحها لك الكتب، ولن تتعلمها في أعرق المدارس والجامعات، فتعليم الحياة أقوى وأعز من كل ما سبق، لذلك لا تترك نفسك خلف صراع زائف أو طموح يتحقق بالأقدمية يوماً ما، بل احرص دائماً على معاصرة أمور لن تمنحك الحياة فيها سوى فرصة واحدة.

لا تتصور أن مكافأة نهاية الخدمة أو المعاش الذي يمنحك الستر سيكون مصباح علاء الدين، الذي ينفذ كل ما تطلب، صدقني المصابيح السحرية لن تقدم شيئاً لرجل تجاوز الستين، ولن تمنحك أكثر من عصاة تتوكأ عليها وتهش بها على أيام الوحدة الطويلة، والليالي البائسة، التي تتشابه في المعاني والمضامين، والحاضر فيها كما الأمس والغد، فلا مؤنس على الوحدة، وحينئذ لا معنى للمال والقدرة، ولا قيمة لما كان في ذمة التاريخ وألبوم الذكريات.

صحيح لا نعرف موعد ساعتنا، متى تأتي وتحل؟ حتى وإن كانت مؤشراتها حاضرة بمرض أو عرض، لكني أرى أن التحوط من الزمن أهم مما دونه، فالساعات الضائعة لن تعود بأثر رجعي، بل ستجد أن كل ما كنت تركض نحوه كوحوش البرية، ليس أكثر من سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، لذلك لن تستفيق من هذه الغفلة العميقة إلا على سرير المرض، حينها سوف تشعر بألم لن يجيرك أحد على احتماله، ولن يتوقف بالكلمات أو المواساة أو تطييب الخاطر!

العمر أغلى بكثير من أن يضيع في معارك بلا أهداف، وصراعات يجبرها الزمن بمرور الوقت، أو زوال السبب، فلا تثقلوا نفوسكم بحروب صنعتها الصدف، وألهبتها النفوس المريضة، ونفثت فيها شياطين الإنس، فلا شيء يدوم، لاسيما الصحة، التي دائماً ما تعمل معك بدون ضمانات، وتخرج من الخدمة بلا مقدمات أو أسباب وتداعيات، لذلك هون عليك، واجعل فضيلة الحب أسمى وأقوى، وتغلب على نوازع شرك، وروض أطماعك إلى حيث تستطيع، فعمرك في ذاكرة الدنيا ليس أكثر من نقطة صغيرة في كتاب الزمن.

إرضاء الجميع غاية لا تُدرك، فلن يحبك الجميع، ولن تكسب الجميع، حتى وإن كنت عظيم المهارة، شديد الحكمة، لكن احرص على تعيين مساحات المحبة في قلوب الناس، يا حبذا  لو كانت هذه المحبة غير مبررة أو بلا مقابل، أو غير مرهونة بخدمة أو مصلحة، فتلك أبقى وأنقى، وأكثر  قدرة على الاستمرار، وتذكر دائماً أن وهم القوة ليس أكثر من مسألة وقت، فمن أقوى من الدهر، ومن أعتى من الموت، ومن أبصر من القدير  الذي يختبر  قلوبنا ويقلبها كيف يشاء.

رحلة الحياة أقصر من اعتقادك في صك ملكية الدنيا، فاصنع المعروف ولا تنتظر النتيجة ولا تخطط لشر، وفرق في العداوة بين حروب البقاء، وحروب الفخر والزعامة، فالأولى مؤيدة ومنصورة وإن طالت، أما الثانية باطشة ومعلقة في رقاب أصحابها إلى يوم يبعثون، لذلك اكبح شهوتك في الانتقام، وترجل عن حصان شرك، واترك مساحات الزهد تتسلل في نفسك، لعلها لجاماً لتطلعاتك الزائفة، وحقيقتك المستعارة.




الموضوعات المتعلقة


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة